وشيء آخر يجعل للتربية أهمية خاصة بالنظر إلى الداعي، ذلك أن الدعوة كالتربية، كلتاهما تسعى إلى التناثر في فكر الإنسان وانفعاله ونزوعه، بغية الارتقاء بمفاهيمه وأخلاقه وسلوكه.
والداعي كالمربي في ذلك وإن كان لكل منهما وسائل ينفرد بها، أو يتفوق فيها على صاحبه، وكثيرًا ما يكون الداعي مربيًا، والمربي داعية.
ومن ثم كان لا بد للداعي من الاستفادة بعلوم التربية وخبرات المربين، وتجاربهم العديدة المتنوعة في مجالات تعليم الكبار والصغار، والانتفاع بالأصيل الجيد من أصول التربية وطرائقها في حسن توجيه المخاطبين، وإيصال المعرفة إليهم، وكيف يمكن التأثير في عقولهم وعواطفهم، وإثارة حوافز الخير في أنفسهم، ومطاردة نوازع الشر بين جنوبهم. مع وجوب الاحتراز من النزعات الهدامة، والشطحات المتطرفة في الفلسفات التربوية الحديثة والمعاصرة.
ومن أهم ما يلزم الداعي التسلح به من ألوان الثقافة بعد ما تقدم: ما سميناه الثقافة الواقعية ونعني بها: الثقافة المستمدة من واقع الحياة الحاضرة، وما يدور به الفلك في دنيا الناس الآن، في داخل العالم الإسلامي وفي خارجه، فلا يكفي الداعي أن يكون قد حصل العلوم الإسلامية وجال في مراجع الأدب واللغة والتاريخ، وأخذ بحظه من العلوم الإنسانية ومن العلوم التجريبية، ولكنه مع هذا كله لا يعرف عالمه الذي يعيش فيه، وما يقوم عليه من نظم، وما يسوده من مذاهب، وما يحركه من عوامل، وما يصطرع فيه من قوى، وما يجري عليه من تيارات، وما يعاني أهله من متاعب، وبخاصة وطنه الإسلامي الكبير من المحيط، بآلامه وآماله، وأفراحه ومآسيه، ومصادر قوته، وعوامل ضعفه، وبعد ذلك وطنه الصغير وبيئته المحلية وما يسودها من أوضاع وتقاليد، وما تقاسيه من صراعات ومشكلات، وما يشغل أهلها من قضايا وأفكار.
إن الداعي لا ينجح في دعوته ما لم يعرف من يدعوهم، حتى يعرف، كيف يدعوهم، وماذا يقدم معهم وماذا يؤخر! ولهذا حين بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله أفترض عليهم خمس صلوات