قال الحافظ في الفتح: قَالَ اِبْن الْمُنِير: الْحِكْمَة فِي تَكْرَاره الْبَيْعَة لِسَلِمَة أَنَّهُ كَانَ مِقْدَامًا فِي الْحَرْب فَأَكَّد عَلَيْهِ الْعَقْد اِحْتِيَاطًا. قُلْت: أَوْ لأَنَّهُ كَانَ يُقَاتِل قِتَال الْفَارِس وَالرَّاجِل فَتَعَدَّدَتْ الْبَيْعَة بِتَعَدُّدِ الصِّفَة. [1]
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ:
(( كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةً فَبَايَعْنَاهُ وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ سَمُرَةٌ وَقَالَ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لا نَفِرَّ وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ ) ) [2] .
قال النووي في شرحه على مسلم: قَوْله فِي رِوَايَة جَابِر وَرِوَايَة مَعْقِل بْن يَسَار: (بَايَعْنَاهُ يَوْم الْحُدَيْبِيَة عَلَى أَلا نَفِرَّ , وَلَمْ نُبَايِعهُ عَلَى الْمَوْت) وَفِي رِوَايَة سَلَمَة: (أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ يَوْمئِذٍ عَلَى الْمَوْت) وَهُوَ مَعْنَى رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم. وَفِي رِوَايَة مُجَاشِع بْن مَسْعُود (الْبَيْعَة عَلَى الْهِجْرَة , وَالْبَيْعَة عَلَى الإِسْلام وَالْجِهَاد) وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر وَعُبَادَةَ (بَايَعْنَا عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة , وَأَلا نُنَازِع الأَمْر أَهْله) وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عُمَر فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم (الْبَيْعَة عَلَى الصَّبْر) .
قَالَ الْعُلَمَاء: هَذِهِ الرِّوَايَة تَجْمَع الْمَعَانِي كُلّهَا , وَتُبَيِّنُ مَقْصُود كُلّ الرِّوَايَات , فَالْبَيْعَة عَلَى أَلا نَفِرّ مَعْنَاهُ: الصَّبْر حَتَّى نَظْفَر بِعَدُوِّنَا أَوْ نُقْتَل , وَهُوَ مَعْنَى الْبَيْعَة عَلَى الْمَوْت , أَيْ: نَصْبِر وَإِنْ آلَ بِنَا ذَلِكَ إِلَى الْمَوْت , لا أَنَّ الْمَوْت مَقْصُود فِي نَفْسه , وَكَذَا الْبَيْعَة عَلَى الْجِهَاد أَيْ وَالصَّبْر فِيهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. [3]
فمتى يصح القول .. ومتى يصح العمل .. ومتى سنرى جهادًا فيه نصرة الدين وإعلاء كلمة الله .. بدلًا من الحرب الشعواء على الجهاد وأهله .. ومتى سنرى بيعة يوفي البائعون فيها ببيعتهم.
(1) الفتح (6/ 138) .
(2) رواه مسلم في الإمارة باب استحباب مبايعة الإمام (3449) ، والترمذي في السير (3311) ، والنسائي في البيعة (4088) ، وأحمد في مسند جابر (13961) ، والدارمي في السير (2346) .
(3) شرح مسلم للنووي (6/ 330)