ومن حسن تمسّكه بالسّنّة ما رواه ابن هانىء قال: ( اختفى أبو عبدالله عندي ثلاثًا ثمّ قال: اطلب لي موضعًا قلت: لا آمن عليك ، قال: افعل فإذا فعلت أفدْتُك ، فطلبت له موضعًا ، فلمّا خرج قال: اختفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثة أيّام ثمّ تحوّل ، وليس ينبغي أن تُتبع سنّةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرّخاء وتُترك في الشّدّة ) (1) .
عِبَرٌ من المحنة
استمرّت المحنة زهاء سنتين وأربعة أشهر ، وحريٌّ بنا أن نستجلي من هذه المحنة بعض العِبر لنستفيد منها في واقعنا ، فإنّ الشّخصيّات تختلف والزّمن يتغيّر والفتن تتغاير لكنّ المنهج واحد ، والقاعدة لا تتغيّر وسنتوّقف عند عدّة نقاط:
1.ثبات المنهج:
كانت دعوته رحمه الله منهجيّةً لا تتأثّر بردود الأفعال ، فقد فعل المأمون ومن بعده ما فعل من تغيير السّنّة ونشر البدعة وإعلاء أهل البدع والتّمكين لهم وقمع أهل السّنّة ، وعاش النّاس في محنةٍ عظيمة ، وفي عصر الواثق جاءه المتسرّعون فقالوا: ( إنّ هذا الأمر قد فشا وتفاقم ونحن نخافه على أكثر من هذا ، وذكروا ابن أبي دواد وأنّه على أن يأمر المعلّمين بتعليم الصّبيان في المكاتب القرآن كذا وكذا(2) ، فنحن لا نرضى بإمارته ، فمنعهم من ذلك وناظرهم ) (3) ، أراد هؤلاء أن يتّخذوا من الفتنة حجّةً وذريعةً للخروج على السّلطان فمنعهم الإمام أحمد لأنّ الأمر واضحٌ من الشريعة: ( إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا ) (4) ، مع أنّ الواثق نفاه عن مدينته (5) ومنعه من التّعليم فاستجاب وأطاع ولم يكابر حتّى إنّه لم يخرج للصّلاة (6) .
(1) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص430 .
(2) أي يعلّمهم أنّ القرآن مخلوق .
(3) السّير 11 / 263 .
(4) أخرجه البخاري في الأحكام باب كيف يبايع الإمام النّاس ، ومسلم في الإمارةباب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية عن عبادة رضي الله عنه .
(5) السّير 11 / 264 .
(6) السّير 11 / 264 .