فالنسيان طبيعة الإنسان، ولو لم يحصل النسيان لاكتفى المرء بدراسته شهرًا أو شهرين، وحفظ كل ما مر عليه من العلوم، ولكن من حكمة الله -تعالى- أن يحصل له نسيان بعض العلوم التي مرت به، حتى كأنه لم يكن قرأها ولا سعها، وعليه مع ذلك تكرار القراءة والمذاكرة، فإنه بذلك يحصل رسوخ المعلومات في القلب، وتأخر النسيان، وعليه أيضا الحرص على حفظ المتون والمختصرات، ثم تعاهد الحفظ وترداده، فإن الحفظ وسيلة إلى بقاء المعلومات، واستمرار تذكرها زمنا طويلا، وكذا الحرص على فهم المعاني، وتصور تلك المسائل، ومعرفة ما تدل عليه، فإن الكلام الذي لا يفهم معناه يتلاشى ويذهب من الذاكرة سريعا، وقد مثل بعضهم الكلام المفهوم بالإنسان الحي الذي يمشى معك ويساعدك، وما لا يفهم بالإنسان الميت يحمله الإنسان على رأسه ثم يمل منه ويلقيه، ثم لا بد من الصبر والتحمل على الاستمرار، ولو طال الزمن كما قال الشاعر:
أخي لن تنال العلم إلا بستة * * * سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء, وحرص, واجتهاد, وبلغة * * * وصحبة أستاذ, وطول زمان
فلا تستطل ما أمضيته في التعلم، فإن من وصايا بعض الفقهاء قولهم: طلب العلم من المهد إلى اللحد. وكان بعضهم يقول: من المحبرة إلى المقبرة. أي أن تشتغل بالكتابة واستصحاب المحبرة، وهي الدواة التي فيها المداد، ولا تتخلى عن ذلك حتى الموت، وذلك لأن العلم لا نهاية له، كما ورد في الأثر عن ابن عباس وابن مسعود والحسن البصري قالوا: منهومان لا يشبعان؛ منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها (1) .
« الاقتصار في بدء الطلب على قول واحد » :
11-يرى بعض الطلاب أن من وسائل التحصيل: القيام ببحث المسائل المختلفة في سائر الفنون بين الفينة والأخرى، وتقييد ذلك، هل ترون صحة هذه الطريقة؟ وبم توصون أصحابها ؟
(1) رواه الدارمي