قال ابن كثير في التفسير [1] : ( يقول جل وعلا: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ } أي في قدرة الله حيثما خلقه من غير أب كَمَثَلِ آدَمَ حيثما خلقه من غير أب ولا أم، بل { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } فالذي خلق آدم من غير أب ولا أم قادر على أن يخلق عيسى من غير أب بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقا من غير أب فجواز ذلك في آدم بطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل فدعواه في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادا، ولكن الرب -جل جلاله- أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى. اهـ [2] .
(1) انظر تفسير ابن كثير، سورة آل عمران (1/ 316) .
(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) ، (4/ 54) تحقيق د. علي بن حسن، ود. عبد العزيز العسكر، ود. حمدان الحمدان:( إن قوله تعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } كلام حق، فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشري على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، كما قال تعالى: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر المخلوقات من ذكر وأنثى، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح، فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء.
فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟ وهو سبحانه خلق آدم من تراب، ثم قال له: كن، فيكون، لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له: كن فيكون، ولم يكن آدم بما نفخ من روحه لاهوتا وناسوتا، بل كان كله ناسوت، فكذلك المسيح كله ناسوت إلخ..) رحمه الله.