والمؤمن مع ذلك كله يزداد في حجه، في كل خطوة يخطوها- يقينًا جازمًا وراحة للنفس والقلب؛ لأنه يتقلب من عبادة إلى عبادة، ومن موقع إلى موقع، يحدوه النداء الخالد على مر الزمان وتعاقب الأجيال. { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } [الحج:27] .
وكأنه يردد مع شوقي قوله:
لك الدين يا رب الحجيج جمعتهم
لبيت طهور الساح والعرصات
أرى الناس أصنافأً ومن كل بقعة
إليك انتهوا من غُربة وشتات
تساووا فلا أنساب فيها تفاوت
لديك ولا الأقدار مختلفات [1]
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: (( ثم تأمل كيف افتتح إيجاب الحج بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما يدعو النفوس إلى قصده وحجه وإن لم يطلب منها فقال: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } [آل عمران:96-97] .
فوصفه بخمس صفات:
إحداها: أنه أسبق بيوت العلم وُضع في الأرض.
الثانية: أنه مبارك، والبركة كثرة الخير ودوامه وليس في بيوت العلم أبرك منه ولا أكثر خيرًا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق.
الثالثة: أنه هدى ووصفه بالمصدر فيه مبالغة حتى كأنه الهدى نفسه.
الرابعة: ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية.
الخامسة: الأمن لداخله، وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات )) [2] .
(1) الشوقيات جـ1 ص 99.
(2) بدائع الفوائد جـ2 ص46.