على مدار التّاريخ الإسلاميّ وتيّارات الانحراف كان الشّيطان يصبّ في عقليّة هذه التّيّارات بعض البدع والحوادث فيجعلها قواعد وأصول في تلقّيهم للحكم الشّرعيّ، فلو أخذنا مثلًا الصّوفيّة فإنّ بعض أئمّتهم - الغزالي - في كتاب له لتربية النّفس وصقلها صوفيًّا وعرفانيًّا نبّه المبتدئ في الطّلب إلى عدم قراءته للقرآن الكريم وجَعَل سبب هذا التّحذير أنّ قراءة القرآن تشتّت اجتماع النّفس، ولا بدّ للطّالب من جمع همّته وتركيزه على أمر واحد لحظة الخلوة، وقارئ القرآن الكريم تتشتّت همّته فهو لو قرأ سورة البقرة مثلًا فإنّه يقرأ الآيات الأولى وفيها ذكر المؤمنين، ثمّ ذكر الكافرين ثمّ إلى ذكر المنافقين، ثمّ إلى ذكر آدم وقصّته ثمّ ذكر بني إسرائيل، فهذه القراءة لهذه المتعدّدات تشتّت الهمّة وتوزّع التّركيز وهذا يفسد السّالك الصّوفيّ، فانظر إلى هذه المعوّقات الشّيطانيّة التي استقرّت كقواعد في أذهان أصحاب هذا المذهب في التّنفير من القراءة لكتاب الله تعالى وهي معوّقات ذوقيّة.
بعض أهل الرأي ومتعصّبوا المذاهب مَنع من العمل بالحديث حتّى يعرضه على إمام مذهبه، أو على أقوال مذهبه، فإن أخذ به إمامُه أخذ به وإن ردّه إمامه ردّه هو.
أهل الكلام جعلوا ضابط الأخذ بالقرآن والسنّة عَرضُها على العقل، فإن قبِلها كان بها وإن أنكرها رُدَّت أو أُوِّلت.
والقائمة طويلة، وللشّيطان فنونٌ في صدِّ النّاس عن تطبيق الحكم الشّرعيّ.
أمّا في زماننا هذا فللشّيطان مع صبية الفقه ومفكّري الإسلام ممّن لم يتضلّعوا بالسنّة النّبويّة ولم يقرؤوها ولم يتشبّعوا بها طريقة أخرى، فإنّه استدرجهم لرفض الحكم الشّرعيّ من باب جديد وهو باب يعادل الذّوق الصّوفيّ والعقل الفلسفيّ والنّظر البدعيّ في ردّ الحكم الشّرعيّ، هذا الباب هو التّحليل السّياسيّ.