فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 611

فوقف سعد بين اليهود والمسلمين، فنظر إلى اليهود وقال:"عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيما حكمت". قالوا: نعم، ثمّ قال وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالًا له:"وعلى من ههنا"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعم ) )، قال سعد:"فإنّي أحكم فيهم بأن تقتّل الرِّجال، وتقسَّم الأموال، وتسبى الذّراري والنّساء"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: (( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ) ). ثمَّ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوقِ المدينة، فخندق بها خنادق، ثمّ جيء بالقرظيين، فضرَبَ أعناقهم، وكان عددهم بين السبعمائةٍ والثّمانمائة، وكان سيّاف النّبيّ صلى الله عليه وسلم الزّبير، وإن غاب فعليّ رضي الله عنهم جميعًا، وقد كان الصّحابة رضي الله عنهم يفرّقون بين الرّجال والأطفال بظهور اللحية والشّارب، وإلاّ بظهور العانة، فمن ظهر شاربه أو لحيتُه أو عانَته فهو رجلٌ يُقتل، وإلاّ فهو سبْي ومالٌ مغنوم. أمّا سعد بن معاذ رضي الله عنه فقد دعا بعد ذلك بقوله:"اللهمّ إنّك علمت أنّه لم يكن قومٌ أحبّ إليّ أن أقاتل أو أجاهد من قوم كذّبُوا رسولَك. اللهمّ إن كنتَ أبقيْت من حرب قريشٍ على رسولكَ شيئًا فأبقني لها، وإن كنتَ قد قطعتَ الحربَ بينه وبينهم فاقبضني إليك"، فانفجر جرحه حتى أنهاه، فرحل إلى ربّه راضيًا مرضيًّا.

إنّ هذه الشّخصيّة الصّحابيّة العظيمة تُظهر لنا أركان الصّورة المحبوبة لله تعالى: {من المؤمنين رجالٌ صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه فمِنهم من قضى نحبه} ، وسعدٌ رضي الله عنه كان ممّن قضى نحبه.

صورةٌ مشرقةٌ بعطائها وقتَ المِحن والخطوب، تأتي إلى الموت وهي ترتجز:

لبثت قليلًا يشهد الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت