هذا الكلام الربّانيّ يؤكّد لنا أنّ الابتلاء كان للملأ، الملأ الممتلئ مالًا.. الملأ طلبوا ملكًا. ولمّا كان الله عليمًا بالظّالمين، فهو قد علم سبحانه أنّ هؤلاء القوم يطلبون ملكًا فقط، لا ملكًا مقاتلًا، وعُمْدة الحقِّ لديهم في إقرار الملك وقبوله هو أن يكون ممّن له سعة من المال ولو حاولنا تصوّر النّفسيّة الحقيقيّة للملأ، ومحاولاتهم الزّائفة والذّكية في ستر مبرّر القتال لاتّضح لنا الشيء الكثير، فهم طلبوا أوّلًا: {ملكًا نقاتل في سبيل الله} ، ولمّا حاججهم النبي وذكّرهم بعورات نفوسهم.. {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألاّ تقاتلوا} فكان جوابهم على قوله هذا مؤكدًا لما قال: وهو أنّ ما علمْت من أنفسنا حبّه والشّغف به هو سبب طلبنا للقتال {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرِجنا من ديارنا وأبناءنا} .
إنّه حديث الملأ، وهو حديث لكشف الملأ، وهذه المقدّمة تدلّك على ما سيأتي وراءها من أحداث تكشِف الملأ على حقيقتهم.
{فلما فصل طالوت بالجنود} هذه الآية تحمل في طيّاتها معنى تخلُّف الملأ، وفيها إشارة إلى أن الملأ قد سقط في أيديهم فمنهم من لحق بالركب فسار جنديًا، ومنهم من تخلف ليبقى تحت وصف الملأ، فحيث ذهبَت حقيقتهم عن الموقع -الفصل - ذهب وصفهم، فمن فُصِل به فخرج معهم سار تحت وصف جديد هو «الجنود» ..