وههنا نكتة بديعة على الأنبياء، وهم أعظم النّاس قدرًا وأرفعهم منزلة وأوثق النّاس بربّهم، هذا الفعل هو الهروب والتّخفّي، فموسى عليه السّلام خرج من مصر في أوّل الأمر {خائفًا يترقّب} ثمّ خرج ببني إسرائيل على وهدة من عيون فرعون وقومه، وكذلك خروج محمّد صلى الله عليه وسلم من مكّة متخفّيًا خوفًا من قريش وبطشها، ولم يعتبر هذا الصّنيع قادحًا في حقّ هؤلاء الأنبياء، أو بخادش رجولتهم وعصمتهم وعظمتهم، وأقول هذا الكلام تنبيهًا على ما سمعت أنّ بعض قادة الأحزاب الإسلاميّة الدّيمقراطيّة أنّه لمّا عرض عليه الهرب وقد حضر جند الطّاغوت للقبض عليه في مقرّ حزبه أنّه أنِف هذا الفعل، واعتبره خادشًا لشرعيّة وجوده، وقال: أنا رئيس حزب شرعيّ ولست لصًّا حتّى أهرب، ولعلّه كذلك أنِف وترفّع أن يتدلّى بحبل من مكتبه ليخرج من الشّبّاك حتّى لا يقبض عليه جند الطّاغوت، وهذه النّفسيّة هي مصيبة ولا شكّ، فهي تدلّ على أنّ قادة العمل الإسلاميّ الدّيمقراطيّ هم أبعد النّاس عن نفسيّة الرّجل المقاتِل، أو نفسيّة الرّجل الواعي لطبيعة الصّراع بين الحقّ والباطل.
فالسّجن أحد أساليب الطّغاة في ردع الدّعاة والمصلحين، والسّجون الآن تعجّ بكثرة الموحّدين فيها، وقد تبجّح الكفر الآن وعربد بما لم يكن له مثيل بيومٍ من الأيّام، فما هو السّبيل الشّرعيّ والكونيّ لردع هؤلاء المجرمين عن غيّهم؟! وما هو الطّريق الشّرعيّ والكونيّ لإخراج هؤلاء المساجين من معاقل الطّغاة؟ إنّه ولا شكّ الجهاد في سبيل الله تعالى.