كان الأوائل من دعاة العلمانيّة - فصل الدّين الإسلامي عن الحكم والقضاء - يؤطّرون لنظريّتهم من خلال المصادر الشّرعيّة، فعلي عبد الرزّاق في كتابه"الإسلام وأصول الحكم"اعتمد في رؤيته هذا الفصل على مجموعة رؤى ذاتيّة أسقطها على الكتاب والسّنّة والحقبة النّبويّة والفترة الرّاشدة، فهو ادّعى أنّ الإسلام لا يوجد فيه سلطة زمانيّة تتمثّل بالخلافة والملك والسّلطان، واستدلّ على هذا بالكتاب والسنّة نفسها، فعلي عبد الرّزّاق ومجموعة أخرى تلته في هذا المضمار كانت تقنّن لهذه الرّؤية الكفرية من النّصوص الشّرعيّة، وفعلوا ذلك لعلمهم أنّ أيّ إحلال لغير حكم الله تعالى في هذه المسألة في ذلك الوقت لن يكون مقبولًا بحال من الأحوال، وعلى جميع المستويات، ولمّا صار أمر هذا الفصل حقيقة واقعة، وأينعت ثماره في المجتمعات المتحوّلة قد بدأ العلمانيّون في طرح قضيّتهم على صيغتها الصّحيحة، هذه الصّورة لا تبحث في إشكاليّة فهم الإسلام بنصوصه لهذه القضيّة - علاقة الدّين بالدّولة - ولكن صار الإشكال الآن مطروحًا على صورة واضحة وهي: لمن الحكم؟. أي من له الحقّ في إصدار التّشريعات والقوانين، الله أم الإنسان؟ وفي آخر إصدار لكبار العلمانيين في المجتمعات المتحوّلة تمّ طرح هذه القضيّة كمحورٍ مفصليٍّ بين الإسلام والعلمانيّة. الإسلام مصدره الوضع الإلهي، العلمانيّة مصدرها الوضع البشري. هذان الكتابان هما"العلمانيّة من مفهوم مختلف"للدّكتور عزيز العظمة، والكتاب من إصدارات مركز دراسات الوحدة العربيّة. والكتاب الثّاني هو"الأسس الفلسفيّة للعلمانيّة"للدّكتور عادل ضاهر من إصدارات دار السّاقي. لندن.. والكتابان يمثّلان عمدة الفكر العلمانيّ وفلسفته، وبنيا أركان المفارقة بين الإسلام والعلمانيّة على هذه القضيّة: