فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 611

وطامّة أخرى يصاب بها المتأخّر: وهي أنّ كثيرًا من هذه النّماذج (من طبقات الأولياء) يراها ممدوحة معظّمة في جانب الولاية والصّلاح في كتب بعضهم، فإذا اطّلع على كتب أخرى. ناقدة ممحّصة. رأى فيها أخبارًا تزري هذا الوليّ، وتقذفه بأشدّ أنواع الحماقات والغفلة، فلو قرأنا مثلًا عن أبي يزيد البسطاميّ (طيفور بن عيسى) فهو الوليّ في باب الولاية حتّى أنه يسمّى بسلطان العارفين، وهو يجاهد نفسه على الدّوام حتّى أنه قال عملت في المجاهدة ثلاثين سنة.الحلية (10/36) . ثمّ في موطن آخر تقرأ عنه أنّه من زنادقة الصّوفيّة فهو يقول:"سبحاني"، و"ما في الجبّة إلا الله"، ما النّار؟! لأستندنّ إليها غدًا وأقول اجعلني فداءا لأهلها وإلا بلعتها، ما الجنة؟! لعبة صبيان، ومراد أهل الدّنيا. ما المحدثون؟! إن خاطبهم رجل عن رجل فقد خاطبنا القلب عن الرّب. ا. هـ. ميزان الاعتدال للذهبي (2/246) ، فهذا كلام زنديق لا كلام عارف ولا وليّ.

وهكذا على هذا المنوال جرى كلّ قوم في مدح رجالهم وتعظيمهم، فأهل الحديث والرّواة يبالغون في تعظيم أئمّتهم فيسوقون عنهم الأخبار الّتي لا تعقل، مثلما ذكر بعضهم عن الإمام البخاريّ رحمهم الله تعالى في قصّة قلب الأحاديث عليه في بغداد. قال الخطيب البغدادي: "فإنّهم اجتمعوا (أهل الحديث في بغداد) وعمدوا إلى مائة حديث. فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد آخر، وإسناد هذا لمتن الآخر ودفعوها إلى عشرة أنفس. تقول الرّواية: فلمّا قرأها ردّ كلّ حديث إلى إسناده، وكلّ إسناد إلى متنه، ولم يرج عليه موضع واحد ممّا قلّبوه وركّبوه، فعظم عندهم جدّا، وعرفوا منزلتهم في هذا الشأن". وهي قصّة لا تصحّ، ونبّه إلى عدمّ صحّتها الإمام الذّهبيّ رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت