لكن يوفس بعفته وطهارته امتنع عما أرادت، ورد عليها ردًّا بليغًا حيث قال: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف: 23] .
أي: أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح، لأنه مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي.
فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لا يفلح، والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه.
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) } [يوسف/24] [1]
(1) - ألهّم: المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، تقول هممت على فعل هذا الشئ، إذا أقبلت نفسك عليه دون أن تفعله.
وقال: بعض العلماء: الهم نوعان: هم ثابت معه عزم وعقد ورضا، وهو مذموم مؤاخد به صاحبه، وهَمٌّ بمعنى خاطر وحديث نفس، من غير تصميم وهو غير مؤاخذ به صاحبه، لأن خطور المناهى في الصدور، وتصورها في الأذهان، لا مؤاخذة بها ما لم توجد في الأعيان.
روى الشيخان وأهل السنن عن أبى هريرة، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل به".
وقد أجمع العلماء على أن همَّ امرأة العزيز بيوسف كان هما بمعصية، وكان مقرونا بالعزم والجزم والقصد، بدليل المراودة وتغليق الأبواب، وقولها"هيْت لك".
كما أجمعوا على أن يوسف - عليه السلام - لم يأت بفاحشة، وأن همه كان مجرد خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية: من غير جزم وعزم. . .
وهذا اللون من الهم لا يدخل تحت التكليف، ولا يخل بمقام النبوّة، كالصائم يرى الماء البارد في اليوم الشديد الحرراة، فتميل نفسه إليه، ولكن دينه يمنعه من الشرب منه، فلا يؤاخذ بهذا الميل.
والمراد ببرهان ربه هو: ما غرسه الله - تعالى - في قلبه من العلم المصحوب بالعمل، بأن هذا الفعل الذى دعته إليه امرأة العزيز قبيح، ولا يليق به.
أو هو - كما يقول ابن جرير - رؤيته من آيات الله ما زجره عما كان همّ به. .
والمعنى: ولقد همت به، أى: ولقد قصدت امرأة العزيز مواقعة يوسف - عليه السلام - قصدًا جازما، بعد أن أغرته بشتى الوسائل فلم يستجب لها. . .
{وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} أى: ومال إلى مطاوعتها بمقتضى طبيعته البشرية وبمقتضى توفر كل الدواعى لهذا الميل. . .
وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه، يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء، لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النعم، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه.
كل ذلك حال بينه وبين تنفيذ هذا الميل، وصرفه عنه صرفا كليا، وجعله يفر هاربا طالبا النجاة مما تريده منه تلك المرأة. انظر التفسير: الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2293) وتفسير السعدي - (ج 1 / ص 396) وأضواء البيان - (ج 2 / ص 318) وتفسير الرازي - (ج 9 / ص 21) والتحرير والتنوير - (ج 7 / ص 330 - 333)