فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 420

فلم يرد إبراهيم على غباء هذا الرجل، ولم يستمر في جداله في هذا الأمر، بل سأله سؤالًا آخر أعجزه ولم يستطع معه جدالًا، قال له إبراهيم: {فَإِنَّ اللّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258] فبهت النمرود، وسكت عن الكلام اعترافًا بعجزه، وقرر إبراهيم الهجرة من هذه المدينة لأنه لم يؤمن به سوى زوجته سارة وابن أخيه لوط -عليه السلام- وهاجر إبراهيم ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط، وأخذ ينتقل من مكان إلى مكان آخر، حتى استقر به الحال في فلسطين، فظلَّ بها فترة يعبد الله ويدعو الناس إلى عبادة الله، وإلى طريقه المستقيم.

ومرت السنون، ونزل قحط بالبلاد، فاضطر إبراهيم إلى الهجرة بمن معه إلى مصر، وكان يحكم مصر آنذاك ملك جبار يحبُّ النساء، وكان له أعوان يساعدونه على ذلك، فيقفون على أطراف البلاد، ليخبروه بالجميلات اللاتي يأتين إلى مصر، فلما رأوا سارة، وكانت بارعة الجمال، أبلغوا عنها الملك وأخبروه أن معها رجلًا، فأصدر الملك أوامره بإحضار الرجل، وفي لحظات جاء الجنود بإبراهيم إلى الملك، ولما رآه سأله عن المرأة التي معه، فقال إبراهيم: إنها أختي. فقال الملك: ائتني بها.

فذهب إبراهيم إلى سارة، وأبلغها بما حدث بينه وبين الملك، وبما ذكره له بأنها أخته، فذهبت سارة إلى القصر، ولما رآها الملك انبهر من جمالها، وقام إليها، فقالت له: أريد أن أتوضأ وأصلي، فأذن لها، فتوضأت سارة وصلَّت، ثم قالت: (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِى إِلاَّ عَلَى زَوْجِى فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَىَّ الْكَافِرَ) [1] . فاستجاب الله لها، وعصمها وحفظها، فكلما أراد الملك أن يمسك بها قبضت

(1) - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلاَّ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ قَوْلُهُ حِينَ دُعِىَ إِلَى آلِهَتِهِمْ (إِنِّى سَقِيمٌ) وَقَوْلُهُ (فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وَقَوْلُهُ لِسَارَةَ إِنَّهَا أُخْتِى. قَالَ وَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ اللَّيْلَةَ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ. قَالَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ أَوِ الْجَبَّارُ مَنْ هَذِهِ مَعَكَ قَالَ أُخْتِى. قَالَ أَرْسِلْ بِهَا. قَالَ فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهَا لاَ تُكَذِّبِى قَوْلِى فَإِنِّى قَدْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِى إنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِى وَغَيْرُكِ. قَالَ فَلَمَّا دَخَلَتْ إِلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا. قَالَ فَأَقْبَلَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّى وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِى إِلاَّ عَلَى زَوْجِى فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَىَّ الْكَافِرَ. قَالَ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ» . قَالَ أَبُو الزِّنَادِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ إِنَّهَا قَالَتِ «اللَّهُمَّ إِنَّهُ إِنْ يَمُتْ يُقَلْ هِىَ قَتَلَتْهُ. قَالَ فَأُرْسِلَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّى وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِى إِلاَّ عَلَى زَوْجِى فَلاَ تُسَلَّطْ عَلَىَّ الْكَافِرَ. قَالَ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ» . قَالَ أَبُو الزِّنَادِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ إِنَّهَا قَالَتِ «اللَّهُمَّ إِنَّهُ إِنْ يَمُتْ يُقَلْ هِىَ قَتَلَتْهُ. قَالَ فَأُرْسِلَ فَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَىَّ إِلاَّ شَيْطَانًا أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا هَاجَرَ - قَالَ - فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَدَّ كَيْدَ الْكَافِرِ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً» مسند أحمد {2/ 404} (9479) صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت