الصفحة 9 من 20

لذا، ولكي نفهم الأحداث الجارية في دول الثورات، ونتوقف عن» العجلة «أو الركون إلى» العقل السلبي «في الإجابة، علينا أن نلاحظ أن أميز ما في» الثورة المضادة «، التي رُدَّت، محليا، إلى قواعد ورموز ما أُسمي بـ» الدولة العميقة «في مصر ثم تونس وحتى اليمن وليبيا، أنها بدأت بنيوية حتى في خضم وقائع الثورات، دون أن تفلت منها دولة واحدة (18) . وهو أمر طبيعي للغاية. إذ أن القواعد التاريخية لـ» الثورة المضادة «عميقة الجذور وليست طارئة، بالمقارنة مع دول ونظم سياسية حديثة النشأة وغير آمنة. وإذا تتبعنا السياسات والمواقف الدولية والإقليمية من الثورات سنجد أن دفاعات» الثورة المضادة «صارت تتلقى دعما صريحا من المرجعيات السياسية الدولية (19) ، ناهيك عن المرجعيات التاريخية التي أوجدتها وأوجدت الدولة ذاتها من قبل. بمعنى أن التساؤلات» المحبطة «يجب أن تُطرَح في سياق التاريخية التي ظهرت فيها الدولة» الوطنية «أو» القومية «الراهنة وليس في سياقات محلية فقط من نوع» الدولة العميقة «التي لا يمثل رموزها إلا أدوات في خدمة مرجعيات فلسفية بنيوية هي المسؤولة تاريخيا عن إنتاج» الدولة القومية «ذاتها، وما تحتويه من بذور العداء المستحكم لكل ثقافة محلية أو عقيدة أو شريعة ربانية.

وبالتالي سيبدو» الخروج «على هذه المرجعيات بمثابة المس المباشر في صلب مشروعية الدولة وهويتها التاريخية وقيمها التي لا تعترف بتجزأة» الديمقراطية «كـ» موضوع «من جهة و» أداة «من جهة أخرى، بحيث تبدو الحرية المنشودة مجرد رقم تفرزه صناديق الاقتراع (20) . وهذا مؤشر على أن إسقاط النظم وتصفية» الدولة العميقة «وقواعدها ورموزها سيؤدي إلى الصدام الحتمي، ليس مع» ولي الأمر «كما يزعم البعض، بل مع» المركز «نفسه. وتبعا لذلك لم يكن غريبا أن» تعجز «الثورات التي مرت في المرحلة الأولى» ارحل «عن تجاوز المرحلة الثانية» إسقاط النظام «ناهيك عن مجرد التفكير في خوض المرحلة الثالثة التي تتطلب إسقاط» قواعد الهيمنة «ومستوطناتها التاريخية. لكن من العجيب حقا أن يتعجل البعض النتائج، ظنًا منه أن صناديق الاقتراع يمكن أن تَجُبَّ ما قبلها، وتصادر جهود» المركز «، في التحكم والسيطرة، بورقة خرقاء. فـ» الدولة القومية «لم تستوطن في بلادنا إلا بعد مطاحن دموية في أوروبا وحروب عالمية وتفكيك للعالم الإسلامي وفرض لنظام الهيمنة وزرع لـ» إسرائيل «وتخريب للثقافة وإقصاء بالغ العنف للدين من حياتنا الاجتماعية في كافة مستوياتها. فما الذي قدمه العالم العربي من تضحيات لنيل حريته وقد أغمد سيوفه منذ زمن بعيد!!؟

بل أن منطق» الثورة المضادة «صادر منطق الثورات الشعبية، وبات يستعمل ذات المفاهيم والشعارات والخطابات والأساليب والرموز في سعيه لإجهاضها. حتى صرنا نسمع مطالبات بـ» ثورة ثانية «في مصر تقودها» جبهة الإنقاذ «ومجموعات البلطجية وقوى فوضوية وأخرى خفية كـ منظمة» بلاك بلوك «الناشطة في بعض الدول الأوروبية كألمانيا واليونان. وذات الأمر في تونس من خلال حركة» نداء تونس «التي شابهت مثيلتها في مصر من حيث النشأة والتكوين والأهداف .. وفي ليبيا حيث الدعوات إلى» تصحيح المسار «على قدم وساق مع قليل من العجب المميز حين يعقب محمود جبريل، أحد عتاة اللبرالية، على فتوى الشيخ صادق الغرياني التي ترى عدم جواز التصويت لـ» العلمانيين «، بالدفاع عن العلمانية والحرية في الاختيار والشفافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت