فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 147

أن يكون عربيًا». لكن الأدب الفارسي شهد بعد ذلك عصر الانحطاط. وما بين القرنين الثاني والرابع، حيث نشطت الحركة الشعوبية، بدت الفارسية منتجة أدبيا، فقط، في اتجاهها المعادي للعربية والعروبة. وبعد قرون الانحطاط، ما بين التاسع والرابع عشر، عاد «الأدب الفارسي» لينتعش «مجددًا متأثرًا بالأدب الأوربي، إلا أن العنصرية ضد العرب بلغت أشدها في هذه الفترة» [1] .

لعل هذا الصمت، حيث لا وجود للغة فارسية، هو ما لاحظه الجاحظ في باب العصا (ص 281) من كتابه «البيان والتبيين» ، حين علق على ما زعمه ابن المقفع وغيره من كتابات فارسية أو هندية تم ترجمتها إلى العربية، مثل «كليلة ودمنة» ، فكتب يقول: «نحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، إذ كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون وأبي عبد الله وعبد الحميد وغيلان يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويصنفوا مثل تلك السير» . وفي السياق يأتي الباحث السعودي، عبدالله الضحيك، بما يؤكد أن مؤلف «كليلة ودمنة» هو في الحقيقة عراقي «يرجع إلى الحضارة الآشورية، ومؤلفه هو الوزير الآشوري (أحيقار) . ولنا على ذلك مخطوط يقطع الشك باليقين نقله سهيل قاشا في كتابه (أحيقار حكيم من نينوى) . لم يكن الكتاب هنديًا، إنما اقتبس الهنود منه الكثير مع تغييرات وإضافات» [2] .

أما على صعيد الإنجازات الحضارية، فيكتب عبد الله الضحيك قائلا: «إن تأثير الفرس في تاريخ الحضارة صفر، فالفرس بعد احتلالهم للعراق والأحواز لم يَجدوا بنائين قادرين على تشييد القصور والمبان، فاستعانوا بالبابليين على وجه الخصوص» . ويستدل على ذلك بما ذكره الملك الأخمينى، داريوس، في إحدى مدوناته التي يقول فيها: «لقد أتيت من بعيد بالمواد التي بنيت بها القصر في سوزه، والشعب البابلي هو الذي حفر الأرض وكوم الحصى، وجلب خشب الأرز من لبنان، وقد أتى به البابليون حتى بابل، وكان عمال الخزف بابليين» [3] . ومن جهته ينقل د. ماجد عبدالله الشمس عن «جانين» القول: «وغدا الفن الفارسي، وهو فن ملكي متعدد النماذج والأصول، إذ لم يكن لإيران تقاليد عريقة، بينما عرف الشرق الذي خضع للفرس بغناه في هذا المجال وبغنى اختباراته» . وعن الحياة الفكرية، فحدث ولا حرج، إذ: «لا يبدوا بأن حياة الإمبراطورية الفكرية الحقيقية كانت فارسية» [4] . يعني حضارة اقتباسات من الغير وليس إبداعا. والحقيقة التاريخية

(1) «لغة فارسية» ، موقع ويكي بيديا العالمي، على الشبكة: http://cutt.us/a 7 ua 1

(2) عبدالله الضحيك: «عراقية كتاب كليلة ودمنة» ، 24/ 3/2016، موقع «القادسية» ، على الشبكة: http://cutt.us/prRb 3. وثمة تعليق بليغ على المقالة من أحد القراء يقول فيه: «في بداية ولادة المدنية كان الفرس أجهل الشعوب، يستجدون الحضارة من الشرق والغرب. والدليل على ذلك أنك حين تريد نقل التاريخ الفارسي فيجب عليك أن تنقل تاريخهم من كتابات الفراعنة ودول المشرق أو الهند واليونان أو التوراة والإنجيل. فكل ملك فارسي يتعمد ألاّ يكون بلده مثقف ليستطيع تمشية الخرافة التي يسطرها عليهم، ومعروف أن الشهنامة، وهي أقدم مصدر فارسي، ليست فارسية وإنما هي نتاج حضارة الهند» .

(3) عبدالله الضحيك: «الفُرس بين البربرية والحضارة» ، على الشبكة: http://cutt.us/bco 6 z. ، نقلا عن عالم الآثار الفرنسي، أندريه بارو: «بلاد آشور» ، دار الرشيد للنشر، بغداد - العراق، ترجمة وتحقيق: سليم التكريتي، 2011، ص 114. ومن المفيد متابعة ما كتبه في مقالته الموسومة بـ: «مقارنة بين الحالة الثقافية للإمبراطورية الفارسية والعصر العربي الجاهلي» ، موقع «المؤسسة الأحوازية للثقافة والإعلام» ، على الشبكة: http://cutt.us/lsfkR

(4) عبدالله الضحيك: «إيران عدو لا ينتهي» ، موقع «الكادر» ، مرجع سابق. نقلا عن: د. ماجد عبدالله الشمس، «الحضارة العاربية وأثرها في إيران واليونان» ، منشورات دار علاء الدين، دمشق - سوريا، ط 1/ 2011، ص 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت