وهكذا كان شأن الإمام أحمد بن تيمية في بيانه للحق والهدى والسنة، فكشف أهل البدع من متكلّمين وفلاسفة وصوفيّة، وجلّى الحق الذي غشيته زبالات الأهواء أحسن بيان وأجلاه، ثمّ قام مقام المجاهدين فقاتل التتار وحرّض الناس على قتالهم وحضّ ملوك الإسلام عليهم وخوّفهم إن لم يقوموا بواجب الجهاد ضدّ التتار أنّه ومن معه من المسلمين سيبدلونهم ويختارون ملوكًا عليهم غيرهم، ولما التبس على الناس أمر قتالهم وفي أيّ نوع من الأنواع يدخل قتالهم، بيّن أنّ قتالهم هو قتال من امتنع عن شرائع الإسلام، فعاد الحقّ أبلجًا وكشف الله الغمّة وهزم التتار في معركة شقحب (مرج الصفر) .
ثمّ ما كان من شأن الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب رحمه الله تعالى حين دعا إلى التوحيد والسنّة فعُودي ورُمي عن قوس واحدة ...
وهكذا هي سلسلة الدعوة والجهاد، حلقاتها تمتدّ من زمن إلى زمن، لا تنقطع ولا تتوقّف حتّى يومنا هذا.
أخي المسلم:
إذا علمت هذا وتبيّن لك على وجه صحيح رأيت الواجب الملقى على عاتقك، وبحثت عن هذه الطائفة التي يمتدّ تاريخها من يومنا هذا إلى النبيّ، وهي الطائفة التي تدعو الناس إلى التوحيد والسنّة، وتكشف للناس الشرك والبدعة، وتقاتل في سبيل ذلك حتّى تقوم الساعة.
والآن تسأل من نحن ولماذا الجهاد؟ لقد نشأنا فوجدنا علمًا مفقودًا، وأمّة جاهلة، ومعاصي متفشيّة، وحقوقًا مهدورة، وأرضًا مغصوبة، وحكّامًا مرتدّين. فما هو الواجب الملقى على عاتق من علّمه الله وفقّهه؟
لقد قيّض الله في زماننا أمرًا عظيمًا هو انتشار كتب السلف، وقد مرّ وقت طويل كان الناس إلاّ قلّة قليلة لا يعرفون من كتب العقائد إلاّ كتب أهل الكلام، فلا يعرفون إلاّ العقائد النسفية وشرح جوهرة التوحيد وأمثالهما، ولا يقرؤون الفقه إلاّ من كتب المتون ولا يعرفون إلاّ التقليد، ولا يعرفون كتب التربية إلاّ كتب التربية الصوفية كالرسالة القشيرية واللمع للطوسي وإحياء علوم الدين للغزالي ..
ثمّ برحمة من الله تعالى أن أقبل الناس على طباعة وتحقيق كتب السلف، فطبعت مؤلّفات ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وطبعت كتب السنّة والتوحيد كالسنّة لعبدالله بن الإمام أحمد والسنّة لابن أبي عاصم والتوحيد لابن خزيمة والشريعة للآجري، ثمّ تتابع السيل المبارك، فأقبل الناس على دراسة هذه الكتب ثمّ بالبحث عن بقايا العلماء الذين هم همزة الوصل للطائفة المنصورة الدائمة الباقية، وبدؤوا يحاولون فهم واقعهم على ضوء فهم أئمّة هذه الطائفة بدءًا من أبي بكر الصدّيق إلى قول أيّ عالم أصاب الحقّ والهداية وارتبط بالكتاب والسنّة.
فكان ما خرجوا به أنّ الأمّة غيّرت وبدّلت وأصابها الجهل في كلّ جوانب هذا الدين، وبسبب جهلها وقعت في المعاصي والذنوب واقترفت البدع، بل إنّ بعضها لحق بالمشركين واتّبع دينهم، ثمّ نظروا فوجدوا أنّه قد استولى على أمرهم وقيادتهم حكّام باعوا دينهم للشيطان ودخلوا في دين المشركين، وسرقوا مقدّراتها من خيرات الله فيها، ولم يجدوا طريقًا للخير إلاّ أغلقوه، فعطّلوا المساجد ودور العلم ولاحقوا العلماء والدعاة إلى الله، ولم يجدوا طريقًا للشرّ إلاّ سلكوه، فنشروا دين الردّة وحسّنوا للناس الباطل والكفر من علمانية وديمقراطية وشيوعية واشتراكية، وأوجبوا على الناس المعاصي فأقاموا مصارف الربا وضيّقوا على الناس سبل الحياة حتّى لا