فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 431

وقد شن السلفيون غاراتهم الموفقة على الكتب المذهبية، وأسقطوا عصمتها حين كشفوا للناس أن هذه الكتب لا تملك الدليل المعصوم وهي في أغلبها آراء وأقوال رجال، لا يملكون العصمة في أنفسهم، بل هم عرضة للصواب والخطأ، فأعرض طالب العلم عن كتب الآراء والفقه المجرد عن الدليل، وبدأوا يوجهون قلوبهم وعقولهم إلى كتب النصوص، أو إلى كتب الفقه المشبعة بالدليل، وبدأت صور من المعارك نحو اكتساب الأهداف من الأطراف المتناقضة في هذه المسائل وغيرها، وبدأ الشباب المجتهد يقيم المعارك في المساجد والجلسات واللقاءات لتحقيق المنهج السلفي الصحيح، حتى تحقق له الكثير من المكاسب، وغنم الكثير من الأهداف، وهي مكاسب تحققت عن طريق المناقشات الحامية في المساجد حتى كاد الأمر يصل إلى ما لا يحمد عقباه من رفع الأصوات والتقاذف بالتهم والرمي بالجهل وعدم احترام العلماء، وكذلك تحققت كتب حوت أبحاثا علمية مجردة إلا من الأحاديث، أو الاجتهادات المصاحبة للدليل.

وفي النهاية أوجد هذا التيار الجديد القديم مكانا ووجودا وبدأت علامات الزهو والغرور تستقر في عقله ونفسه، فبدأت الانتكاسة في نهاية الدور الأول لهذا الوليد الحي. فما الذي حدث لهذا التيار الجديد؟.

أراد هذا الوليد أن يربط المسلم بالنص من خلال طرحه لمسائل يومية ملحة عليه ويتعامل معها دوما، فهناك صفة صلاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها، وهناك أحكام الجنائز، وهناك أحكام الحج، وهناك أحكام المولود، وهناك .. وهناك .. وهي كتب أرادت إحياء النص ليتعامل معه المسلم مباشرة، وما إن أقبل الشباب المسلم عليها بلهف وشوق، ولعوامل قدرية سننية كان البعض من المشاركين في هذه الكتب يجني بعض المغانم المادية، وللقاعدة المتبعة في اتهام الخصوم (تغيير شكل من أجل الأكل) فإن الفكرة ما لبثت أن ماتت في مهدها، فظهرت الكتب المذهبية الجديدة، والعصبية المتطورة فكتاب صفة صلاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- صار مختصر صفة صلاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

و قد يتوهم سلفي أن المختصر إنما هو الاقتصار على ذكر النص الحديثي فقط، وبدون زيادة، أي من غير ذكر الاجتهادات الخاصة والرؤى الذاتية ولكن خاب ظنهم، فقد كان المختصر هو إزالة النص المعصوم والإبقاء على متن هو خلاصة رؤى ذاتية واجتهادات خاصة، ولما سأل سائل لم فعلتم هذا؟ كان الجواب: من أجل أن لا نشغل العوام بما لا يعنيهم، ولتقريب الفقه إلى غمار الناس، ومن أراد معرفة الدليل فليرجع إلى أم الكتاب وأصله.

وهكذا صنعت الكتب الأخرى كأحكام الجنائز وغيرها. وعادت السلفية مذهبية وتقليدا.

وهذه الحجج التي قيلت هي هي بعينها حجج أهل التقليد الأوائل، فالإمام السلفي محمد بن إدريس الشافعي حين ألف كتابه القيم"الأم"وهو كتاب فقهي جامع للنص واجتهادات الإمام من تصحيح حديث ومن استنباط مسألة، وهو إمام عظيم كان ينهى أتباعه عن التقليد، وبدأ تلاميذه يعلقون على كتابه ويزيدون وينقصون، وبعد طورين أو ثلاتة من وفاة الإمام نشط بعض أتباعه بتقريب فقه الشافعي للعوام، فما كان منهم إلا أن اجتهدوا فاختصروا الكتب بأن أبقوا على نصوص الإمام، وأزالوا الأدلة وقالوا للناس ما قاله أتباع المذهب الجديد، وعلى ضوء هذا تشكل مذهب الشافعي، وهو من هو في نهي الناس عن التقليد، ولو استشير في زمانه أن يكتبوا رأيه بلا دليل لاستشاط غضبا، ولبين لهم ضلال فعلهم وصنيعهم، ومثل مذهب الشافعي تشكلت كثير من المذاهب الفقهية الأخرى من حنفي ومالكي وحنبلي إلى غير ذلك، وهم على كل حال تشكلت مذاهبهم بالصورة المقيتة بعد وفاتهم، وجزما بعد وفاة تلامذتهم المباشرين لهم، ولكن مذهبيتنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت