فإيمان المؤمن القويّ أقوى - لأنّه أحبّ إلى الله تعالى - من إيمان المؤمن الضّعيف، والقوّة والضّعف تعلّقهما في الكونيّ والخلقيّ لا في الدّينيّ والشّرعيّ، وتفسير هذا، أنّ الإيمان قول وعمل، والعمل لا يقع إلاّ بقوّة وإرادة، والقوّة هنا في هذا التّقسيم قاصرة فقط على ما هو كونيّ، ولا ينبغي أن يقال هنا قوّة محبّة الله ومحبّة الآخرة، فإن هذا النّوع من القوى داخلة في الإرادة وهي الشّقّ الثّاني المطلوب لتحقيق العمل، فالقوّة هنا تقع على ما هو كونيّ فقط.
إذًا يجب علينا أن نعلم أنّ البصر والعلم بما هو كونيّ شرطٌ لتحقيق كمال الإيمان الواجب لتحقيق الوعود الإلهيّة في الكتاب والسّنّة.
كما أنّ البصر والعلم بما هو شرعيّ شرطٌ لتحقيق كمال الإيمان الواجب لتحقيق الوعود الإلهيّة في الكتاب والسنّة سواء بسواء.
ولهذا النّوع من العلوم (علم الكونيّ) طرقٌ للفهم، وقواعد للتّلقّي وأصول للتّأصيل والعمل، كما أنّ للعلم الشّرعيّ طرقٌ للفهم وقواعد للتّلقّي وأصول للتّأصيل والعمل.
ومن أهم هذه القواعد وأرسخها وأوضحها وأبرزها أنّ النّبوّة والأنبياء لم يرسلهم الله تعالى بهذه العلوم، بل هذه العلوم داخلة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ).
نعم، ما قاله -صلى الله عليه وسلم- من هذه الأمور والعلوم والسّنن حقٌّ وصدق ويجب التّسليم به واعتقاد صدقه وحقّه مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- عن الذّباب: (( إنّ في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى دواء ) )، أو مثل قوله: (( أنّ الداء ينزل في الليل ) )، أو مثل ما أرشد إليه من بعض أمور الطّب كقوله عن الحبّة السوداء: (( أنها شفاء من كل داء إلاّ السام - الموت- ) )، وكقوله عن ماء الكماة أنها: (( شفاء للعين ) )، فهذه أمور حق وصِدق ويجب الإيمان بها والتسليم بها ولا يُلتفت إلى قول من قال إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالها من قبيل نفسه وتجربته كما وقع لشاه ولي الله الدهلوي في"حجة الله البالغة"ومن تابعه، بل هي من أمور الوحي الذي منّ الله تعالى على أمّة محمد -صلى الله عليه وسلم- بها رحمة بهم والإيمان بها واجب والتعريض بها ردًّا وقدحًا من ضعف الإيمان وربّما يكون نفاقًا عياذًا بالله تعالى.
ومن أوضح هذه القواعد في التّعامل مع الكونيّ أنها عرضة للتبديل والتغيير، وهي داخلة في مجال البحث والاكتشاف والأخذ والردّ.
والبدعة في الأمور الشرعيّة الدّينيّة ولا تطلق البدعة على ما اكتشفه الناس وحسّنوه في الأمور الكونيّة، وهذه أمور يأخذها المرء المسلم ولا يتحرّج في ذلك، فالناس كانوا يتنقلون على أرجلهم وعلى الدواب من حمير وبغال وخيول، وقد استطاع الإنسان أن يكشف أنظمة وسننًا كونية جعلت الوصول إلى أهدافه أيسر بكثير مما كان عليه في القديم، وهذا باب الحديث عن أمثلتهِ واسع جدًا.
إذن: الثابت الذي يجب امتثاله وعدم تطويره أو إدخال الرأي والهوى فيه هو الشرعي، أما المتحوِّل فممَّا له تعلقٌ بالكونيات.
فالرجل الذي يقول بتطوير الشّريعة هو رجلٌ زنديق في دين الله تعالى لأنّه يريد أن يلغي الشَّريعة، حتّى لو كان هذا التطوير باسم التأويل الجديد، فإن التأويل الحق هو إصابة مراد المتكلم، وأحقُّ الناس بإصابة مراد الله ومراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هم الصحابة -رضي الله عنه-م، فالدِّين والشرع هو ما فهموه، وما لم يكن عندهم دينًا فلا يجوز أن يكون فيمن بعدهم دينًا"اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم"، أمّا من أراد أن يجعل الثّبات فيما هو كوني فهو أضلُّ من حمار أهله، فإني