كتابه مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق في فضائل الجهاد بابًا جعل عنوانه (فضل انغماس الرجل الشجيع أو الجماعة القليلة في العدد الكثير رغبة في الشهادة ونكاية في العدو) وقد أورد فيه جملة من الأدلة منها حديث سلمة بن الأكوع، وفيه من قول سلمة: (( فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ? يتخللون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري ... ، قال فأخذت بعنان الأخرم، قال: فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله ? وأصحابه، قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال: فخليته ... ) )الحديث، وفيه من قوله ?: [كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة] (50)
قال الدمياطي: (( وفي هذا الحديث الصحيح الثابت أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده وإن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان مخلصًا في طلب الشهادة كما فعل الأخرم الأسدي ? ولم يعب النبي ? ذلك عليه ولم ينه الصحابة عن مثل فعله، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله، فإن النبي ? مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم مع أن كلًا منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون ) ) (51) .
وقال الإمام النووي في شرح قصة عمير بن الحمام (( لما رمى التمرات ثم
قاتل حتى قتل )) (52) قال: (( فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة وهو
جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء )) (53) .
ومن هذا يعلم أن اندفاع الرجل المسلم مضحيًا بنفسه في سبيل الله جائز في
الجهاد وفي الحسبة وإن علم أنه يقتل وإن علم أن المنكر لا يزول ما دام في ذلك مصلحة شرعية ككسر قلوب الكفار والفساق بما يرونه من قوة المسلمين وجرأتهم أو تقوية المسلمين الآخرين وحملهم على التضحية كذلك.
قال القرطبي: (( قال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه وإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت النفس لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي
مدح الله ? به المؤمنين في قوله: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) (54) .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: (( فإن خاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل فإن رجا زواله جاز عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر وإن لم يرج زواله فأي فائدة فيه، والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي ) ) (55) .
وبهذا يعلم صحة ما ذكرناه من أن تغرير المسلم بنفسه في سبيل الله جائز في الجهاد والحسبة، وإن علم أنه يقتل، وإن علم أن المنكر لا يزول ما دام في ذلك مصلحة شرعية ككسر قلوب الكفار والفساق بما يرونه من شجاعة المسلمين أو تقوية المسلمين وحثهم على التضحية في سبيل الله. لكن تبقى معنا نقطة لا بد من إيضاحها وهي حالة ما إذا كان الشخص يعلم أنه لا