فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 431

هذا وقد عنون الخلاَّل لهذه الفتوى بعنوان (باب الرجل يرى المنكر الغليظ فلا يقدر أن ينهى عنه، ويرى منكرًا صغيرًا يقدر أن ينهى عنه. كيف العمل؟) .

الوجه الرابع: أنه لو صح استدلالكم بهذا لكان الذي أخره النبي ? هو المنكر الأكبر؛ لأن تحطيم الأصنام هو تحطيم لعقيدة الشرك، وهل هناك منكر أكبر من الشرك؟.

الوجه الخامس: ليس صحيحًا أن الانشغال بتغيير المنكر الأصغر يعرقل العمل لتغيير المنكر الأكبر، وكيف يكون ذلك وأصحاب المنكر الأكبر وهم الحكام العلمانيون يعمدون إلى تلك المنكرات الصغيرة في تثبيت أركان حكمهم، فكل تغيير لمنكر يفت في عضد هذا النظام وقد يفقده ركنًا من أركانه -والله أعلم-

2 -أما قولكم إننا في عصر استضعاف يشبه العصر المكي، وإن الرسول ? لم يحطم الأصنام إلا بعد التمكين فجوابه من وجوه:

الوجه الأول: أننا مطالبون بآخر أمر النبي ? فالدين قد كمل والنعمة قد تمت وقد كان في العهد المكي أحكام نسخت في العهد المدني، فما مات عليه النبي ? هو الدين إلى يوم الدين، وليس لأحد أن يعطل حكمًا ثبت عن النبي ? بدعوى أننا في حال يشبه العصر المكي، وإلا لصح أن يقول البعض لا نزكي ولا نصوم لأن الزكاة والصيام إنما شرعا في العهد المدني.

الوجه الثاني: أنه لا يصح القول بأن الأمة جميعها صارت في عصر استضعاف بمعنى أن لا يكون فيها من يقوى على تغيير المنكر باليد، لأن رسولنا ? يقول [لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة] (35) .

وفي حديث جابر بن سمرة: [لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة] (36) ، وفي حديث عقبة بن عامر: [لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك] (37) ، فقد أخبر ? أنه لا تزال طائفة من أمته تقاتل في سبيل الله، وأن ذلك لا ينقطع في أمته حتى آخر الزمان.

قال النووي في شرح مسلم (13/ 67) : (( ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من أهل الخير ... وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة؛ فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي ? إلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث ) )أ. هـ.

والمقصود أن هذه الطائفة المقاتلة هي طائفة آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر واستمرار وجودها في الأمة ينسف فكرة عصر الاستضعاف من أساسها، فلم يبق إلا أن يقال إن الاستضعاف قد يشمل مكانًا دون آخر، وهذا حق ومقتضاه أن ينظر أهل كل بلد في حالهم وقدرتهم، فقد يكون عند قوم من القدرة ما ليس عند آخرين فيجب على القادر ما لا يجب على غير القادر، وحينئذٍ فليس لغير القادر أن ينكر على غيره ممن قدر على إقامة أمر الله فقام به.

قال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: (( وإن كان العبد عاجزًا عن معرفة بعض ذلك، أو العمل به فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول ? بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ويرضى بذلك ويود أن يكون قائمًا به ) ) (38) .

الوجه الثالث: أن ما يقال من أن النبي ? لم يكسر الأصنام في العهد المكي ليس على إطلاقه، فقد أثبتنا من قبل أن الرسول ? قد كسر صنمًا على الكعبة بمكة قبل الهجرة (39) ، والصحيح أنه لم يكسر الأصنام جملة إلا بعد الفتح، ليس لأنه لم يكن يجوز له ذلك بل لعدم قدرته عليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت