هذه في كثير من الموبقات التي هي في أعينهم أدق من الشعر، كالإنضمام إلى جيش عبيد الياسق وشرطتهم ومجالسهم الشركية التشريعية .. وما إلى ذلك مما قدمناه وفصلناه من الوظائف الشركية أو الأعمال المحرمة.
هذه حجج والله واهية ما أنزل الله بالإشراك سلطانا
والسؤال الذي يفرض نفسه عليهم بإلحاح .. هو ما وجه الدلالة في تلك الفترة المكية على هذا الباطل كله؟؟؟
هل مدح النبي ? في تلك الفترة تلكم الأصنام أو أقسم على احترامها والإخلاص لها، والولاء لعبيدها؟
هل فعل ? شيئًا من ذلك - كما تفعلون - ليكون استدلالكم بمكوثه بينها وجيها؟؟ أم أصل دعوته كلها كان قائمًا على الكفر بتلك الأصنام وتسفيهها وبيان زيفها والبراءة منها علانية - الذي هو الشطر الأول من (لا إِلَهَ إِلاّ الله) .. بل والبراءة ممن أصرّ على عبادتها وسدانتها .. وإعلان ذلك وبيانه وإظهاره رغم استضعافه واستضعاف أتباعه ?؟؟؟ - نترك الجواب لأصحاب الاحتجاج ..
وربما احتج بعضهم بغير هذه الحجة من حوادث الأعيان التي لا يجوز أن يخدش بها هذا الأصل الأصيل من أصول الدين .. خاصة عند من فقه ملّة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين التي قوام عمودها وقطب رحاها توحيد الله تَعَالى وموالاة أوليائه والبراءة من الشرك والمشركين.
فهل يُضحي بهذا الأصل الأصيل الذي هو معنى لا إِلَهَ إِلاّ الله في سبيل تلك المصالح الجزئية المزعومة؟؟ لا يقول بذلك إلاّ جاهل زائغ ضال ..
وتفاصيل ذلك تطول وإنما نريد هنا الاختصار .. وخلاصة الأمر أن نقول: هل يعقل أن يُخرج الدعاة الناس من الشرك باختلاف صوره عن طريق السكوت عن الشرك أو الولوغ فيه أو موالاته و موالاة أهله. أو أن يُصلحوا الفساد بإفساد، لا يعقل ذلك أبدًا ..
تمامًا كما أنه لا يعقل أن تزال النجاسة بنجاسة أخرى .. أو أن يتطهر من البول بالبول.
وربما احتجوا بقاعدة درء المفاسد، فهل هناك يا أولي الألباب أعظم من مفسدة الشرك إنها أعظم مفسدة في الوجود .. ؟؟
(فالحذر الحذر أيها العاقلون والتوبة التوبة أيها الغافلون، فإن الفتنة حصلت في أصل الدين لا في فروعه ولا في الدنيا، فيجب أن تكون العشيرة والأزواج والأموال والتجارة والمساكن وقاية للدين وفداء عنه، ولا يجعل الدين فداء عنها ووقاية لها ..
قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [براءة: 24] .
فتفطن لها وتأملها فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب من تلك الثمانية كلها، فضلًا عن واحدة منها أو أكثر، أو شيء دونها مما هو أحق فليكن الدين عندك أغلى الأشياء وأعلاها) اهـ.
وعلى الموحد أن لا ينحرف عن الطريق أو يستوحش أو يفتر عن المسير لقلة السالكين وكثرة المخالفين ولا يقل: (أين ذهب الناس وما بالهم زهدوا بهذه الطريق فإن لي بهم أسوة) ؟؟ فإن هذا من أسباب هلاك أكثر الخلق وسقوطهم .. ولينج بنفسه وأهله، وليشح بدينه وعقيدته، وليكن كما قال بعض الصحابة في البلاء: (إن عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن تجاوز البلاء فقدم نفسك دون دينك فإن المحروم من حرم دينه وإن المسلوب من سلب دينه) .