وذلك لأنّ الشرك الأكبر المناقض للحنيفية السمحة وهو صرف شيء من العبادة الظاهرة لغير الله عزّ وجلّ أمر لا يُعذر فاعله بالجهل أصلًا فقد أقام الله عزّ وجلّ عليه حجته البالغة من أبواب شتى ذكر العلماء منها:
1 -الأدلّة الكونية الظاهرة الدالة على وحدانية الله، حيث يستدل بربوبيته على وحدانيته سبحانه فالذي خلق ورزق وصوّر ودبّر هو وحده الذي يجب أن يُعبد ويشرّع ولا يجوز شرعًا وعقلًا أن يُصرف شيء من ذلك لغيره سبحانه {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} .
2 -ومنها أخذه سبحانه الميثاق على بني آدم في ذلك حيث استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر قال تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} . فلم يعذرهم الله تعالى بدعوى الغفلة والجهل وتقليد الآباء في الشرك الظاهر المستبين، بعد أن أخذ ميثاقهم على أن لا يتخذوا ربًا سواه.
3 -ومنها فطرة الله التي فطر الناس عليها وغرسها في قلوب العباد على أنّ الخالق الرّازق هو وحده المعبود المشرِّع كما في الحديث الذي يرويه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال:"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه"وفي رواية (ويشركانه) وهي في صحيح مسلم وفي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم أيضًا"إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرّمت عليهم ما أحللت لهم".
4 -وإضافة إلى ذلك أرسل سبحانه الرسل جميعهم من أجل هذه الغاية العظيمة {* وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الْطَّاغُوتَ} ، {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فمن لم تصله رسالة نبي سمع بغيره.
إذ جميعهم وإن تنوّعت شرائعهم إلاّ أنّ دعوتهم إلى تحقيق التوحيد وهدم الشرك والتنديد واحدة.
وقد قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وقد صدق الله وحده فبعث للناس كافة رسله، وختمهم بمحمد -صلى الله عليه وسلم- أوضح به المحجة وأقام به الحجة، وليس بعده ثم رسول.
5 -وأنزل سبحانه الكتب جميعها تدعوا إلى هذه الغاية العظيمة وختمها بكتاب لا يغسله الماء لا يبلى ولا يبيد فتكفّل بحفظه إلى يوم القيامة وعلّق النذارة ببلوغه في كثير من أبواب الدين.
فكيف بأعظم وأهم وأخطر باب من تلكم الأبواب (التوحيد) قال تعالى {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} وقال تعالى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} .
ثم عرّف البيِّنة والحجّة سبحانه بقوله {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً} .
فمن بلغه هذا القرآن العظيم فقد قامت عليه الحجّة والنذارة، خصوصًا في أوضح أبواب الدين الذي بعث كافة الرسل من أجله.
أمّا أن يُراد بالحجة وقيامها أن يؤتى إلى كل واحد في مكانه فتقام عليه الحجة فهو ما أنكره الله تعالى في قوله تعالى عن المشركين {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً} .
ومعلوم من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن شأنه في دعوة الطوائف الممتنعة، أنه كان يراسل رؤوس تلك الطوائف دون آحاد رعيتهم، ولم يكن يشترط أو يأمر رسله وأمراءه بوجوب تتبع آحاد الناس لإقامة الحجة عليهم، خصوصًا في المحاربين. وأن الحال عند العلماء بعد انتشار الإسلام