فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 677

وهو يشير في هذه الآية إلى موقف عبد الله بن أبي بن سلول، وممن معه، ويسميهم:"الذين نافقوا".. وقد كشفهم الله في هذه الموقعة، وميز الصف الإسلامي منهم. وقرر حقيقة موقفهم يومذاك: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان.. وهم غير صادقين في احتجاجهم بأنهم يرجعون لأنهم لا يعلمون أن هناك قتالا سيكون بين المسلمين والمشركين. فلم يكن هذا هو السبب في حقيقة الأمر، وإنما هم: يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.. فقد كان في قلوبهم النفاق، الذي لا يجعلها خالصة للعقيدة، وإنما يجعل أشخاصهم واعتباراتها فوق العقيدة واعتباراتها. فالذي كان برأس النفاق - عبد الله بن أبي - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه يوم أحد. والذي كان به قبل هذا أن قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بالرسالة الإلهية حرمه ما كانوا يعدونه له من الرياسة فيهم، وجعل الرياسة لدين الله، ولحامل هذا الدين!.. فهذا الذي كان في قلوبهم، والذي جعلهم يرجعون يوم أحد، والمشركون على أبواب المدينة، وجعلهم يرفضون الاستجابة إلى المسلم الصادق عبد الله بن عمرو بن حرام، وهو يقول لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا محتجين بأنهم لا يعلمون أن هناك قتالا! وهذا ما فضحهم الله به في هذه الآية:

والله أعلم بما يكتمون..

ثم مضى يكشف بقية موقفهم في محاولة خلخلة الصفوف والنفوس:

الذين قالوا لإخوانهم - وقعدوا - لو أطاعونا ما قتلوا..

فهم لم يكتفوا بالتخلف - والمعركة على الأبواب - وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس، وبخاصة أن عبد الله بن أبي، كان ما يزال سيدا في قومه، ولم يكشف لهم نفاقه بعد، ولم يدمغه الله بهذا الوصف الذي يهز مقامه في نفوس المسلمين منهم. بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة، وهم يقولون:

لو أطاعونا ما قتلوا..

فيجعلون من تخلفهم حكمة ومصلحة، ويجعلون من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه مغرما ومضرة. وأكثر من هذا كله يفسدون التصور الإسلامي الناصع لقدر الله، ولحتمية الأجل، ولحقيقة الموت والحياة، وتعلقهما بقدر الله وحده.. ومن ثم يبادرهم بالرد الحاسم الناصع، الذي يرد كيدهم من ناحية، ويصحح التصور الإسلامي ويجلو عنه الغبش من ناحية:

قل: فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين..

فالموت يصيب المجاهد والقاعد، والشجاع والجبان. ولا يرده حرص ولا حذر. ولا يؤجله جبن ولا قعود.. والواقع هو البرهان الذي لا يقبل المراء.. وهذا الوقاع هو الذي يجبههم به القرآن الكريم، فيرد كيدهم اللئيم، ويقر الحق في نصابه، ويثبت قلوب المسلمين. ويسكب عليها الطمأنينة والراحة واليقين..

ومما يلفت النظر في الاستعراض القرآني لأحداث المعركة، تأخيره ذكر هذا الحادث - حادث نكول عبد الله ابن أبي ومن معه عن المعركة - وقد وقع في أول أحداثها وقبل ابتدائها.. تأخيره إلى هذا الموضع من السياق..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت