وهنا يرتسم مشهد التجميع يشمل الخلق جميعا، على غير إرادة منهم، إنما هو سوق الجميع سوقا إلى ذلك المعرض المشهود، والكل يحضر والكل ينتظر ما سوف يكون..
يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه..
فالصمت الهائل يغشى الجميع، والرهبة الشاملة تخيم على المشهد ومن فيه. والكلام بإذن لا يجرؤ أحد على طلبه، ولكن يؤذن لمن شاء الله فيخرج من صمته بإذنه.. ثم تبدأ عملية الفرز والتوزيع:
فمنهم شقي وسعيد..
ومن خلال التعبير نشهد: الذين شقوا نشهدهم في النار مكروبي الأنفاس لهم فيها زفير وشهيق من الحر والكتمة والضيق. ونشهد الذين سعدوا نشهدهم في الجنة لهم فيها عطاء دائم غير مقطوع ولا ممنوع..
هؤلاء وأولئك خالدون حيث هم ما دامت السماوات والأرض. وهو تعبير يلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار. وللتعبير ظلال. وظل هذا التعبير هنا هو المقصود.
وقد علق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين. وكل قرار وكل سنة معلقة بمشيئة الله في النهاية. فمشيئة الله هي التي اقتضت السنة وليست مقيدة بها ولا محصورة فيها. إنما هي طليقة تبدل هذه السنة حين يشاء الله:
إن ربك فعال لما يريد..
وزاد السياق في حالة الذين سعدوا ما يطمئنهم إلى أن مشيئة الله اقتضت أن يكون عطاؤه لهم غير مقطوع، حتى على فرض تبديل إقامتهم في الجنة. وهو مطلق فرض يذكر لتقرير حرية المشيئة بعدما يوهم التقييد.
بعد هذا الاستطراد إلى المصير في الآخرة، بمناسبة عرض مصائر الأقوام في الدنيا، والمشابه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وتصوير ما ينتظر المكذبين هنا أو هناك، أو هنا ثم هناك.. يعود السياق بما يستفاد من القصص ومن المشاهد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والقلة المؤمنة معه في مكة - تسرية وتثبيتا؛ وإلى المكذبين من قومه بيانا وتحذيرا. فليس هناك شك في أن القوم يعبدون ما كان آباؤهم يعبدون - شأنهم شأن أصحاب ذلك القصص وأصحاب تلك المصائر - ونصيبهم الذي يستحقونه سيوفونه. فإن كان قد أخر عنهم فقد أخر عذاب الاستئصال عن قوم موسى - بعد اختلافهم في دينهم - لأمر قد شاءه الله في إنظارهم. ولكن قوم موسى وقوم محمد على السواء سيوفون ما يستحقون، بعد الأجل، وفي الموعد المحدود. ولم يؤخر عنهم العذاب لأنهم على الحق. فهم على الباطل الذي كان عليه آباؤهم بكل تأكيد:
فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء. ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل. وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص. ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه. ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم. وإنهم لفي شك منه مريب. وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم.. إنه بما يعملون خبير..
لا يتسرب إلى نفسك شك في فساد عبادة هؤلاء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير لقومه. وهذا الأسلوب أفعل في النفس أحيانا، لأنه يوحي بأنها قضية موضوعية