لما أتمَّ الكلام على (حَبَّ) المقرونة بـ (ذا) وهو أغلب استعمالها في معنى الإنشاء المذكور أخذ يذكر حكمَها في الاستعمال الثاني، وهو أن تقُرن بغير (ذا) .
فيريد أن (حَبَّ) إذا لم يكن فاعلها (ذا) فلها في نفسها حكمٌ مخالف لحكمها مع (ذا) ولفاعلها أيضا حكم آخر.
فأمَّا حكم فاعلها فيجوز فيه وجهان:
أحدهما، وهو الأصل، أن يُؤتى به مرفوعًا فتقول: حَبَّ الرجلُ زيدٌ، وحَبَّ رجلًا زيدٌ، ففي (حَبَّ) ضمير مرفوع هو الفاعل، كما في (نعم، وبئس) ، وقال ساعدة بن جُؤَيَّة (1) :
هَجَرَتْ غَضُوبُ وحَبَّ مَنْ يَتَجَنَّبُ
وَعَدَتْ عَوادٍ دُونَ وَلْيِكَ تَشْعَبُ
وهذا هو المشار إليه بقوله: (( ارْفَعْ بِحَبَّ ) ).
والثاني زيادة الباء في الفاعل، كما زيدت في {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (2) والمعنى: كَفَى اللهُ شهيدا، وكما قالوا فيما هو في معناه: أَكَرِمْ بزيدٍ، لأن (( زيدًا ) )عند جماعة في موضع رفع، والمعنى على فاعليَّة (( زيد ) )فالباء، على الجملة، مما تُزاد في الفاعل، فكذلك زادوها هنا، فتقول: حَبَّ بالرجلِ، وكذا: حَبَّ به رجلًا زيدُ. ومنه قول الأخطل (3) :
(1) تقدم الاستشهاد به في الباب نفسه.
(2) سورة النساء/ آية 79، ومواضع أخرى من الكتاب العزيز.
(3) البيت من أول قصيدة في ديوانه، واستشهد به الرضي في شرح الكافية 4/ 257، وابن يعيش 7/ 129، 138، 241، وانظر: الخزانة 9/ 427، والعيني 4/ 26، وشرح شواهد الشافية 14، وهذا البيت في وصف الخمر، ويعني بقتلها مزجَها بالماء حتى تنكسر قوتها.