حتى فشا في جواريه وغلمانه، فكان له من المصنفين عدة، يقومون على قراءة القرآن، ويشاركون في فنون من العلم، يجملونه بها ويشرفون دولته"."
ومما يذكر عن علائق مجاهد بعلماء عصره، قصته مع إمام اللغة والنحو في عصره، أبي غالب بن غالب المعروف بابن التياني المرسى. فإن مجاهدًا أثناء تغلبه على مرسية، وأبو غالب إذ ذاك بها، أرسل إليه ألف دينار، على أن يزيد في ترجمة كتابه"الموعب"أنه ألفه لأبى الجيش مجاهد. فرد عليه المال، وأنف من ذلك قائلا،"والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك ما فعلت، ولا استجزت الكذب، فإني لم أجمعه لك خاصة، وإنما جمعته لكل طالب علم" [1] .
ولم تقف إشادة المؤرخ المعاصر بخلال مجاهد عند مآثره العلمية، ولكنه ينوه في نفس الوقت بخلاله كفارس من أعظم فرسان عصره. ويقول لنا ابن حيان إنه"كان بهمة، وأكثر الناس علمًا بالثقافة، فلا يضم من الفرسان إلا الأبطال الشجعان، وإنه لم يكن في ملوك الزمان فارس يعدله شكلا ولباقة ورواء وهيبة، وحسن عمل في السلاح، وتقليبًا له، إلى حذق بأبواب الثقافة والرماية، وتدقيق لمعانيها" [2] .
كذلك فإنه يبدو أن مجاهدًا كان من أذكى ملوك الطوائف وأحذقهم بالشئون المالية والتجارية. وكان نشاطه التجاري الواسع، المترتب على نشاط سفنه التجارية الكثيرة في مياه غربي البحر المتوسط، يحقق له ثروات طائلة، وكانت مملكة دانية في الواقع من أغنى ممالك الطوائف، وأكثرها تمتعًا بالرخاء.
وقد رأينا مما ذكرناه في غزوة ميورقة، وغارات مجاهد البحرية على الشواطىء الفرنسية والإيطالية، أن مجاهدًا كان كذلك بحارًا من أعظم بحارة عصره، وكان من أكثرهم تمرسًا بالحروب والغارات البحرية. ويصفه دوزي، بأنه كان أعظم"القراصنة"في عصره، وبأنه قد اشتهر بغزواته لسردانية وشواطىء إيطاليا وكذلك بحمايته للأدباء [3] .
ُومع كل ما تقدم فإن ابن حيان لم يفر مجاهدًا من نقده اللاذع، إذ يبدو أنه
(1) راجع الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 182، ونفح الطيب ج 2 ص 132.
(2) الذخيرة، القسم الثالث، المخطوط لوحة 5 أ. وأعمال الأعلام ص 218.