وكان باديس قد قطع إلى ذلك الحين ثلاثين عامًا في الحكم، وكانت مملكته تمتد يومئذ من بسطة شرقًا، حتى رندة غربًا، ومن جيّان شمالا إلى البحر جنوبًا، وكان قد شاخ وأخلد إلى الراحة، وانهمك في الشراب، وترك مقاليد الأمور كلها لوزيره اليهودي يوسف بن نغرالة [1] ، وكان يوسف قد حل في المنصب مكان أبيه اسماعيل بن نغرالة وزير حبوس ثم باديس، وكان هذا الوزير اليهودي قد استأثر بعطف باديس وثقته، فرفعه فوق سائر كتابه ووزرائه، وفوضه في جميع أموره، وعين معظم المتصرفين والعمال من اليهود، واستطاع بمهارته وحنكته أن يملأ خزائن باديس بالمال، وأن يمكنه من الإنفاق على جيشه، ومن تحقيق مشاريعه الإنشائية. وكان اسماعيل فوق ذلك من أهل الأدب والشعر، وكان حسن السيرة رضي الأخلاق، وافر الأناة والحلم، فلم يثر من حوله خصومة ولا منافسة. ويقدم إلينا ابن حيان، وهو المؤرخ المعاصر عن ابن نغرالة، الصورة الآتية:"وكان هذا اللعين في ذاته، على ما زوى الله عنه من هدايته، من أكمل الرجال علمًا وحلمًا وفهمًا، وذكاء ودماثة، ورصانة ودهاء، ومكرًا وملكًا لنفسه، وبسطًا من خلقه، ومعرفة بزمانه، ومداراة لعدوه، واستسلالا لحقودهم بحلمه". ثم يقول لنا إنه كان بارعًا في الآداب العبرية والعربية، وإنه شغف بالعربية ونظر فيها، وقرأ كتبها، وألف فيها، وكتب رسائل يشيد فيها بالإسلام وفضائله، ودرس الرياضة والفلك والهندسة والمنطق، وكتب كتاب"السجيح في علوم الأوائل الرياضية". وأخيرًا إنه كان بارعًا في الجدل يتفوق فيه على سائر الناس، قليل الكلام، ماقتًا للسباب، دائم التفكر، جماعة للكتب [2] . وقد ساعدته هذه الصفات كلها، بلا ريب، على الاستئثار بعطف الأمير وإعجابه وثقته وخلقت من حوله جوًا من العطف بين سائر ممن يتصلون به أو يتعامل معهم.
واستمر ابن نغرالة عن مكانته حتى توفي، فندب باديس ولده يوسف للاضطلاع بمنصبه. وكان يوسف فتى جميلا غض الإهاب، وافر الذكاء والبراعة، فقام بالأعمال خير قيام، واستعمل اليهود كذلك على الأعمال، وأبدى في جمع المال همة مضاعفة، فتمكنت منزلته لدى باديس، واجتمعت في يده السلطات شيئًا فشيئًا
(1) كتاب التبيان ص 42.
(2) الإحاطة عن ابن حيان ج 1 ص 446 و 447.