والوفاء، مكيافيلِّيا، يسعى إلى تحقيق غايته بأي الوسائل، دون اعتبار لخلق أو مبدأ. وكانت مواهبه الأدبية والشعرية، ألمع ما في خلاله، وقد كان ابن عمار بلا ريب من أعظم شعراء الأندلس في عصره، وكان هذا العصر الذي سطعت فيه قصور الطوائف عصرًا، اجتمع فيه بالأندلس من أكابر الشعراء، جمهرة لم تجتمع في أي عصر آخر، ويكفي أن نذكر من هؤلاء بنو عباد، وفي مقدمتهم المعتمد، وابن زيدون، وولادة بنت المستكفي، وأبو بكر بن اللبانة، والمعتصم ابن صمادح وولده رفيع الدولة، وبنو القبطرنة، وابن عبدون. وكان ابن عمار في طليعة هذه الجمهرة الشاعرة، وقد ملأ الأندلس بروائع شعره، كما ملأها بذكر أعماله ومغامراته. وقد جمع شعر ابن عمار، ورتبه في ديوان خاص، أبو الطاهر محمد بن يوسف التميمي [1] ، وأورد لنا ابن بسام في الذخيرة طائفة كبيرة من أخبار ابن عمار، كما وضع تأليفًا خاصًا في تاريخه [2] ، وكذلك وضع أبو بكر ابن قاسم الشلبي مجموعًا في تاريخ ابن عمار [3] . وهذه العناية بسيرة ابن عمار وتراثه الشعري من معاصريه، ومن إليهم، تنبي عن أهمية هذه الشخصية البارزة في تاريخ الطوائف، وعن رفيع مكانتها السياسية والأدبية.
إلى ذلك الحين استطاع المعتمد بن عباد أن يؤسس أعظم مملكة للطوائف، تمتد في قلب النصف الجنوبي من شبه الجزيرة، من غرب ولاية تدمير شرقًا، حتى المحيط الأطلنطي، ومن ضفاف وادي يانة جنوبًا حتى أرض الفرنتيرة.
وكان المعتمد قد استطاع في الواقع في أواخر أيام الملك العاجز الضعيف القادر ابن ذى النون، أن يستولي على معظم أراضي مملكة طليطلة الجنوبية الشرقية، من المعدن شرقًا حتى مدينة قونقة. ولعل المعتمد كان يفكر في غزوات وفتوح أخرى، ينتزع فيها ما استطاع من أراضي جيرانه، لولا أن أيقظه سقوط طليطلة من غمار أحلامه وأطماعه. أجل، لم يكن خافيًا على المعتمد، وعلى أمراء
(1) دوزي: Hist.Abbadidarum, V.II.p. 89
(2) دوزي: Hist.Abbadidarum, V.II.p. 105
(3) الحلة السيراء ج 2 ص 173.