وبضعة أشهر، وآلت الخلافة في تلك الليلة إلى محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن عبد الرحمن الناصر، وتلقب بالمهدي. وكان ذلك صبيحة يوم الأربعاء 17 جمادى الآخرة سنة 399 هـ (16 فبراير سنة 1009 م) .
وهرعت الجموع من سائر أنحاء قرطبة إلى محمد بن هشام، ملتفة حوله، مؤيدة لبيعته، واعتبروه بطلا منقذًا، إذ كان أول من استطاع أن يثور في وجه بني عامر، وأن يعمل لإزالة ملكهم، وشعروا أن كابوس الإرهاب العامري قد تقلص، وأن عهدًا جديدًا سوف يبدأ، ولم يخطر ببالهم قط، أن هذا التحول كان نذير المحنة الغامرة، التي سوف تطيح بكل ما نعموا به في ظل الدولة العامرية من السكينة والأمن والرخاء.
وفي الوقت نفسه كانت مدينة الزاهرة، معقل بني عامر، عرضة لهجوم مماثل. وكان القائمون على أمرها قد نمى إليهم ما وقع بقرطبة، وبادر محافظ الزاهرة عبد الله بن مسلمة إلى ضبط أسوارها وأبوابها، وحشد ما لديه من الجند، فبلغوا سبعمائة، وتأهب للدفاع وبعث محمد بن هشام إلى الزاهرة جمهورًا غفيرًا من العامة مع طائفة من أصحابه. فأحاطوا بها وحاولوا اقتحامها، ولكن نظيفًا الخادم، ونصرًا المظفري، وهما من الفتيان العامريين، استطاعوا في قوة من الغلمان إجلاء العامة عن الأسوار، ثم دخل الليل فحال بين الفريقين.
وفي صباح اليوم التالي، 18 جمادى الأولى، ندب محمد بن هشام أو الخليفة المهدي، ابن عمه عبد الجبار بن المغيرة لمهاجمة الزاهرة، فسار إليها على رأس قوة كبيرة من العامة، الذين أقبلوا على التطوع فرسانًا ومشاة، ووزعت عليهم الأسلحة، وأمامهم رأس عبد الله بن أبي عامر مرفوعًا فوق رمح، وهاجموا قصر عبد الملك المظفر، وكان خارج الأسوار، وكان فيه أهله وأمه الذلفاء، فنهبوه وتخاطفوا متاعه وذخائره، وذلك بالرغم من أن الذلفاء هي التي أمدت محمدًا بن هشام بعونها ومالها. فلما شعر أهل الزاهرة، بأنه من العبث مقاومة هذه الجموع الهائلة، عرضوا التسليم على أن يصدر لهم المهدي الأمان، فبعث إليهم المهدي الأمان المنشود مكتوبًا بخطه، وكان ذلك وقت الظهر، ففتحوا أبواب المدينة وسلموها، ودخل عبد الجبار لفوره قصر الزاهرة، واقتحمته الجموع، ونهبت منه من المتاع والنفائس ما لا يقدر ولا يوصف، واستأثر عبد الجبار