فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 3000

فكيف تتحدث الرواية هنا عن تحالف الملوك الثلاثة، وقد ماتوا جميعًا قبل الموقعة المزعومة؟ هذا ومن جهة أخرى فإن الرواية الإسلامية لا تذكر شيئًا عن هذه الموقعة، وهي لا تضن علينا في مواطن كثيرة بالتحدث عن هزائم المسلمين، وصمتها في هذا الموطن قرينة، على أنه لم يك ثمة موقعة ولا هزيمة [1] . ويعلل مؤرخ إسباني معاصر هو الأستاذ مننديث بيدال، أصل هذه الأسطورة بكونه إنما يرجع إلى ما أحرزه سانشو غرسية كونت قشتالة، من نجاح جزئي في بعض الوقائع، وقد حرصت الأساطير القشتالية على تسجيل هذا النجاح، وعمدت إلى المبالغة فيه شيئًا فشيئًا [2] .

وعلى أثر اختتام الغزوة، ارتد المنصور بجيشه جنوبًا، وقد لحقه الإعياء، واشتد به المرض، فترك جواده، وسار نحو أسبوعين محمولا على محفة، حتى وصل إلى مدينة سالم، وهي معقل الثغر المنيع؛ وكان من أعز أماني المنصور أن تدركه منيته خلال الغزو، مجاهدًا في سبيل الله، وكان دائمًا يحمل معه أكفانه حيثما سار إلى الغزو، وهي أكفان صنعت من غزل بناته، واشتريت من خالص ماله الموروث. وقد استجاب الله دعاءه، فما كاد يحل بمدينة سالم، حتى شعر بدنو أجله، فاستدعى ولده عبد الملك، وألقى إليه نصائحه الأخيرة. وفي ليلة الإثنين 27 رمضان سنة 392، الموافق 11 أغسطس سنة 1002، توفي المنصور محمد بن أبي عامر، ودفن كرغبته في صحن قصر مدينة سالم، وذلك لسبعة وعشرين عامًا من حكمه، وعمره أربعة وستون عامًا، إذ كان مولده في سنة 328 هـ، ونقش على شاهد قبره هذان البيتان:

آثاره تنبيك عن أخباره ... حتى كأنك بالعيان تراه

تالله لا يأتي الزمان بمثله ... أبدًا ولا يحمي الثغور سواه [3]

ولبث قبر المنصور بمدينة سالم عصورًا، مزارًا معروفًا، وذلك بالرغم من

(1) راجع: Dozy: Recherches: Vol. I, p. 198-202 ; Hist. V. II. p. 268. وقد لخص العلامة المستشرق كونثالث بالانثيا آراء الفريقين في كتابه:

(3) الحلة السيراء ص 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت