فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 3000

كثيرة مهدًا للقلاقل والثورات المتعاقبة. وكان حكامه بنو هاشم التجيبيون الذين غلبوا على بني قسيّ، وانتزعوا سرقسطة لأنفسهم، منذ أيام الأمير عبد الله، يتمتعون بنوع من الإستقلال المحلي، ويحرصون على سلطانهم، بالرغم من اعترافهم الإسمي بسلطان الحكومة المركزية. وكان حاكم الثغر الأعلى وهو يومئذ عبد الرحمن بن مطرِّف التجيبي، يرقب سياسة المنصور، في القضاء على سلطان الحكام المحليين، بتوجس وحذر، ويلتمس السبل لحماية سلطانه، ولم يكن بعيدًا عن التفكير في التحالف مع جيرانه من النصارى، في نافار، وقشتالة، كما فعل أسلافه أيام الناصر؛ ولكن تطور الحوادث جعله يتجه اتجاهًا آخر.

ذلك أن عبد الله ابن المنصور بن أبي عامر، كان ناقمًا على أبيه لأنه يؤثر أخاه عبد الملك عليه ويصطفيه دونه، ويوليه كل عطفه وثقته. وكان عبد الله يومئذ فتى في الحادية والعشرين من عمره، وكان يشعر أنه يتفوق في الشجاعة والخلال على أخيه الأكبر، ولكن المنصور كان يشك في بنوة ولده عبد الله، ويضن عليه بحبه وثقته، ويخشى نياته ومشاريعه [1] . وكان عبد الله قد ذهب إلى سرقسطة، ونزل عند صاحبها عبد الرحمن، وهو متغير النفس على أبيه. فانتهز التجيبي الفرصة، واستمال عبد الله إليه، وأذكى حقده على أبيه، وائتمر الإثنان على الوثوب بالمنصور في أول فرصة والقضاء عليه، على أن يقتسما ملك الأندلس، فيستولي عبد الله على قرطبة وما والاها، ويستولي عبد الرحمن على الثغر وأحوازه، وانضم إليهما في تلك المؤامرة بعض أكابر الجند ورجال الدولة، من المعارضين للمنصور والناقمين عليه، وفي مقدمتهم الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني

حاكم طليطلة المعروف بالربضي.

وترامت أخبار هذه المؤامرة الخطيرة إلى المنصور قبل نضجها، فأعمل الحيلة في استدعاء ولده عبد الله من سرقسطة، وأبدى له كثيرًا من الرفق والعطف، وصرف الوزير المرواني عن حكم طليطلة صرفًا جميلا، ثم أقاله بعد ذلك من الوزارة، واعتقله بداره. ثم خرج بالصائفة غازيًا إلى أراضي قشتالة، واستدعى أمداد الثغور، فتوافدت إلى لقائه، وفيهم عبد الرحمن بن مطرف ورجاله.

واجتمعت الحشود بقوات قرطبة في مدينة وادي الحجارة. وهناك أجمع أهل

(1) البيان المغرب ج 2 ص 305 و306.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت