فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 3000

قسطنطينية، والذي جلبه من هنالك إلى قرطبة، ربيع الأسقف. وجلب إليه الوزير أحمد بن حزم من الشام حوضًا ثانيًا رائعًا، يقوم عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر المرصع بالجواهر، وهي تمثل بعض الطيور والحيوانات وتقذف الماء من أفواهها إلى الحوض [1] . وقد دون هذه الروايات والأوصاف العجيبة، التي تشبه أوصاف قصور ألف ليلة وليلة المسحورة، عن قصر الزهراء، أكثر من مؤرخ معاصر وشاهد عيان، وأجمعت الروايات على أنه لم يبن في أمم الإسلام مثله في الروعة والإناقة والبهاء [2] .

وأنشأ الناصر في الزهراء أيضًا مسجدًا عظيمًا، تم بناؤه في ثمانية وأربعين يومًا.

وكان يعمل فيه كل يوم ألف من العمال والصناع والفنانين، وزوده بعمد وقباب فخمة، ومنبر رائع الصنع والزخرف، فجاء آية في الفخامة والجمال [3] . وأنشئت بها مجالات فسيحة للوحوش متباعدة الساح، ومسارح للطير مظللة بالشباك، ودار عظيمة لصنع السلاح، وأخرى لصنع الزخارف والحلي [4] . والخلاصة أن الناصر أراد أن يجعل من الزهراء قاعدة ملوكية حقة، تجمع بن فخامة الملك الباذخ، وصولة السلطان المؤثل، وعناصر الإدارة القوية المدنية والعسكرية.

واستمر العمل في منشآت الزهراء طوال عهد الناصر، أعني حتى وفاته في سنة خمسين وثلثمائة، واستمر معظم عهد ابنه الحكم المستنصر، واستغرق بذلك من عهد الخليفتين زهاء أربعين سنة [5] ؛ ولكنها غدت منزل الملك والخلافة مذ تم بناء القصر والمسجد في سنة تسع وعشرين وثلثمائة، وبذا كانت (إلى جانب قرطبة) أول منزل للخلافة الإسلامية بالأندلس.

وقد انتهت إلينا عن هذه الضاحية الملوكية الشهيرة أوصاف وأرقام مدهشة، تنبىء عما كانت عليه من الضخامة. فقد ذكر ابن حيان مؤرخ الأندلس أن الزهراء كانت تشغل مسطحًا قدره تسعمائة وتسعون ألف ذراع، وأن مبانيها اشتملت على أربعة آلاف سارية ما بين صغيرة وكبيرة، منها ما جلب من مدينة

(1) نفح الطيب ج 1 ص 266؛ وأعمال الأعلام ص 38.

(2) نفح الطيب ج 1 ص 264، 265.

(3) نفح الطيب ج 1 ص 264.

(4) ابن خلدون ج 4 ص 144.

(5) نفح الطيب ج 1 ص 264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت