لمجهودهم أثر كبير في التلطيف من آثار المحنة. وكان لهذا الظرف أثره في تهدئة الثورة، وألفت في عضد الثوار، ولكن عبد الرحمن لبث مع ذلك متيقظًا يرقب حركاتهم بحذر وأهبة.
ويحدثنا ابن حيان عن هذه المحنة في حوادث سنة 303 هـ، ويقدم إلينا عنها الصورة التالية:
"فيها كانت المجاعة بالأندلس التي شبهت بمجاعة سنة ستين، فاشتد الغلاء، وبلغت الحاجة والفاقة بالناس مبلغًا لم يكن لهم عهد بمثلها، وبلغ قفيز القمح بكل سوق قرطبة ثلاثة دنانير، ووقع الوباء في الناس، فكثر الموتان في أهل الفاقة والحاجة، حتى عجز عن دفنهم، وكثرت صدقات الناصر لدين الله في هذه الأزمة على المساكين وأهل الفاقة، وعلى المتعففين عن المسئلة، وصدقات أهل الحسبة من رجاله الموتسين فيه، فنفع الله بهم كثيرًا من خلقه. وكان حاجبه بدر بن أحمد، مدبر دولته، أفشاهم صدقة، وأعظمهم مواساة، فنعش الله به أمة. وعدا أصر هذه المجاعة وضيق الأحوال، السلطان عن تجريد صايفة وإعداد جيش، لما بالناس من الجهد. فأخذ الناصر لدين الله في شأنه بالوثيقة، وعول على ضبط أطراف وتحصين بيضته، والإرصاد لأهل الخلاف والخلعان خلال معاقلهم، ومجال مساربهم، إذ كانوا مع استيلاء المجاعة عليهم، لا يفترون عن العدوان، على من مر بهم من رفاق المسلمين، وطالبي المعيشة، وجالبي الميرة، فلم يجدوا منفذًا إلى ما طمعوا فيه من إشاعة، ونفع الله بذلك. وعاث الموتان في هذه الأزمة، فأودى بخلق من وجوه أهل قرطبة وعلمايهم وخيارهم" [1] .
وما كادت تنقشع هذه الغمة حتى عاد عبد الرحمن إلى استئناف الغزو، فسير قائده أحمد بن محمد بن أبي عبدة غازيًا إلى أرض النصارى. وسوف نتتبع غزوات عبد الرحمن لاسبانيا النصرانية مجتمعة فيما بعد. وسير وزيره إسحق بن محمد القرشي إلى كورتي تدمير وبلنسبة، فطارد فيهما أهل الخلاف، وافتتح حصن أوريولة المنيع، قاعدة تدمير التالد من يد الثوار، ثم أخضع الثوار في مدينة الحامة.
وغزا الحاجب بدر مدينة لبلة، وكان صاحبها الثائر عثمان بن نصر ممتنعًا بها.
(1) السفر الخامس (مخطوط الخزانة الملكية) لوحة 55 أ.