فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 3000

وأنشأ محمد له كذلك منية خاصة في مكان ضيعته المسماة"كنتش"الواقعة جنوب غربي قرطبة، عرفت"بمنية كنتش"وعنى بتجميلها، وجعلها كذلك موطنا لنزهه ومسراته. وهي التي يقول فيها ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد:

ألما على قصر الخليفة فانظرا ... إلى منية شيدت لأزهرا

هي الزهرة البيضاء في الأرض ألبست لها الزهرة الحمراء في الجو مغفرا [1] وكان الأمير محمد ربع القوام، أبيض مشربًا بحمرة، أوقص [2] ، يخضب بالحناء. وكان كثير الأناة والحلم، عطوفًا في أخوته وآل بيته، وقد عنى منذ ولايته بشئون الأكابر من أخوته، فأعدّ لهم الدور الفخمة خارج القصر، ووهبهم الضياع المغلة، وأجرى عليهم الأرزاق الواسعة، واستعمل من يصلح منهم للأعمال البعيدة. وكان فوق رجاحة عقله، أديبًا، يشغف بالبيان، بليغًا في كتبه، محسنًا في توقيعه. بيد أنه لم يكن شاعرًا مثل أبيه وجده. وكان مكرمًا لأعلام الناس، وذوي العلم والحجى منهم، يرفع مجالسهم، ويكثر من رعايتهم، ويستشعر مع ذلك الحذر من منافستهم وتحاسدهم، ويأبى الإصغاء لسعاياتهم.

وكان يجمع حوله صفوة من الشعراء والعلماء [3] مثل عباس بن فرناس، ومؤمن ابن سعيد، وابن عبد ربه، وهم من أقطاب الشعر في عصره، ومن العلماء عبد الله ابن حبيب أعظم علماء الأندلس في عصره، وقد توفي في صدر ولايته، وبقىّ بن مخلد وعيسى بن دينار، ومحمد بن عمر بن لبابة، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وغيرهم. وقد اشتهر في عصره بالأخص الفقيه الورع العلامة بقيّ بن مخلد، وكان فقيهًا حر الذهن، واسع الأفق، نشأ في قرطبة، ورحل إلى إفريقية والمشرق، ودرس دراسة مستفيضة. ولما عاد إلى الأندلس، حقد عليه فريق من فقهائها، لغزارة علمه، وتفوقه عليهم، ولاسيما في أساليب الحديث والرواية، وحاولوا اتهامه بالزندقة، والإيقاع به لدى الأمير، فاستجار بقى بالحاجب هاشم بن عبد العزيز، وكتب إلى الأمير يناشده الله في دمه، ليرى رأيه فيه بعد سماع حجته، فأسعفه هاشم وشرح للأمير قضيته، وعقد له الأمير مجلسًا لمناجزته خصومه فتناظروا بين يديه، ودحض بقىّ تهم خصومه بقوة، وألزمهم الحجة، واستبان

(1) مخطوط القرويين في اللوحات 243 - 247. وراجع أيضا البيان المغرب ج 2 ص 100.

(2) أعني قصير العنق.

(3) أخبار مجموعة ص 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت