بسائطها، ثم عاد إلى قرطبة وأمر بقتل الثائر مطرف وبنيه الثلاثة: ورفعت رؤوسهم على باب القصر. وفي العام التالي (260 هـ) سير محمد إلى الشمال مع ولده المنذر جيشًا بقيادة هاشم بن عبد العزيز. فزحف المنذر إلى سرقسطة وعاث في نواحيها، وانتسف أشجارها وزروعها، وجعلها قاعًا صفصفًا، ولكنه لم يستطع انتزاعها من يد المتغلب عليها اسماعيل بن موسى. وكان أخوه فُرتون قد حل في تطيلة مكان أخيه مطرف، وتحالف الثائران مع ألفونسو الثالث ملك ليون، فسار المنذر إلى وشقة، ثم إلى بنبلونة عاصمة نافار، وعاث في تلك الأنحاء، ولكن جهوده لم تسفر عن أية نتائج مستقرة [1] .
وشغلت حوادث الشمال وثورة بني موسى حكومة قرطبة أعوامًا طويلة. ففي سنة 264 هـ (878 م) سار المنذر مرة أخرى إلى الثغر الأعلى، وعاث في بسائط سرقسطة وتطيلة، ولكنه لم يظفر بالاستيلاء عليهما. ثم زحف على بنبلونة، فخرب بسائطها، وأتلف زرعها، وقتل كثيرًا من أهلها. وفي العام التالي (265 هـ) ، عاد المنذر إلى غزو الثغر الأعلى، وحاصر مدينة سرقسطة وسائر بلاد بني قسيّ، وعاث فيها إتلافًا وتخريبًا. ومع ذلك فقد لبث الشمال بعيدًا عن سلطان قرطبة بضعة أعوام أخرى. وكانت جنبات الأندلس الأخرى تضطرم في الوقت نفسه بسلسلة من الثورات المدمرة حسبما نفصل بعد، ولكن حكومة قرطبة كانت تعلق على قواعد الثغر الأعلى أهمية خاصة، لوقوعها على حدود الممالك النصرانية. ففي سنة 268 هـ (882 م) سير الأمير محمد ولده المنذر إلى الشمال على رأس جيش ضخم، ومعه القائد هاشم بن عبد العزيز. وكان المنذر قائدًا مجربًا ذا شجاعة وبأس، وكان يعتزم هذه المرة أن يسحق الثورة وزعماءها في الشمال. فزحف توًا على سرقسطة، ولما لم ينجح في اقتحامها، تحول إلى الحصون الواقعة حولها فخربها واستولى عليها، وافتتح حصن روطة أمنع حصونها وأسر به عبد الواحد الروطي"أشجع أهل عصره" [2] ثم استولى على لاردة وما حولها من الأنحاء، وانضم إليه محمد بن لب بن موسى، وكان ساخطًا على عميه لاستئثارهما دونه بالسلطان. ولما رأى إسماعيل بن موسى صاحب سرقسطة
(1) مخطوط القرويين لوحة 272 أ.
(2) ابن الأثير ج 7 ص 122، والبيان المغرب ج 2 ص 107. وفي رواية أخرى أن هاشم بن عبد العزيز اشترى حصن روطة من صاحبه عبد الواحد ولم يفتتحه (العذري في كتاب"ترصيع الأخبار"ص 35) .