فهرس الكتاب

الصفحة 2889 من 3000

فينفذ حكم الحرق في عدد من المحكوم عليهم، قد يبلغ العشرات أحيانًا، وينتظم الضحايا في موكب (الأوتودافى) Auto-da-fe التى اشتهرت في اسبانيا منذ القرن الخامس عشر، والتى كانت بالرغم من كل مناظرها الرهيبة من الحفلات العامة، التى تهرع لشهودها جموع الشعب. ومما يذكر في ذلك، أن فرناندو الكاثوليكى كان من عشاق هذه المواكب الرهيبة، وكان يسره أن يشهد حفلات الإحراق، وكان يمتدح الأحبار المحققين كلما نظمت حفلة منها [1] .

وكان قضاء محاكم التحقيق بطيئًا، يبث اليأس في النفوس، وكان الأمر يترك لهوى القضاة في تحديد مواعيد دعوة المتهم، والسير بإجراءات الدعوى، وكانت الإجراءات والمرافعات تستغرق وقتًا طويلا، وقد تستغرق الأعوام أحيانًا، وقد يموت المتهم في سجنه قبل أن يصدر الحكم في قضيته.

وكان دستور ديوان التحقيق يجيز محاكمة الموتى والغائبين. وتصدر الأحكام في حقهم وتوقع العقوبات عليهم كالأحياء، فتصادر أموالهم وتعمل لهم تماثيل تنفذ فيها عقوبة الحرق، أو تنبش قبورهم وتستخرج رفاتهم، لتحرق في موكب"الأوتودافى"، وكذلك يتعدى أثر الأحكام الصادرة بالإدانة من المحكوم عليه إلى أسرته وولده، فيقضى بحرمانهم من تولى الوظائف العامة، وامتهان بعض المهن الخاصة، وبذا يؤخذ الأبرياء بذنب المحكوم عليه [2] .

هذا استعراض موجز لإجراءات تلك المحاكم الكنسية الشهيرة، التى سودت بقضائها المروع صحف التاريخ الإسبانى زهاء ثلاثة قرون.

وقد بث ديوان التحقيق منذ قيامه بقضائه وأساليبه، حوله جوًا من الرهبة والروع. ولما ذاع بطشه وعسفه، عمد كثير من النصارى المحدثين من يهود ومسلمين إلى الفرار، حتى اضطرت الحكومة إلى أن تصدر في سنة 1502، قرارًا يحرم على ربان أية سفينة وأى تاجر، أن ينقل معه نصرانيًا محدثًا دون ترخيص خاص، وقبض بهذه الصورة على كثيرين من النصارى المحدثين، في مختلف الثغور الإسبانية، وأحيلوا إلى محاكم التحقيق.

(2) رجعت في معظم ما ورد عن دستور ديوان التحقيق وإجراءاته، إلى كتابى"ديوان التحقيق والمحاكمات الكبرى"الفصل الأول ص 24 - 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت