ولم نعثر على تفاصيل تختص بشخصية هذا الوزير أو نشأته، ولكن الذى يبدو لنا من مواقفه وتصرفاته أنه كان سياسيًا عمليًا يؤمن إيمانًا قويًا بسياسة التسليم والخضوع للنصارى، وانتهازيا يرى انتهاز الفرص بأى الأثمان [1] . واستقبل فرناندو مندوب ملك غرناطة بحفاوة. وندب لمفاوضته أمينه فرناندو دى ثافرا، وقائده جونزالفو دى كُردبا، وكان خبيرًا بالشئون الإسلامية، عارفًا باللغة العربية، وجرت المفاوضات بين الفريقين بمنتهى التكتم، أحيانًا في غرناطة وأحيانًا في قرية جرليانة [2] القريبة الواقعة جنوب شرقى سانتافيه. ويبدو من الخطابات التى تبودلت بين أبى عبد الله وبين الملكين الكاثوليكيين في تلك الفترة الدقيقة من حياة الأمة الأندلسية، أن حديث المفاوضة قد بدأ بين الفريقين في أوائل سبتمبر سنة 1491، وأن القائد أبا القاسم بن عبد الملك كان يعاونه في المفاوضة الوزير يوسف بن كُماشه، وقد كان مثله من خاصة أبى عبد الله ومن أنصار سياسة التسليم، وأن أبا عبد الله طلب في خطاب أرسله إلى الملكين الكاثوليكيين أن تكون المفاوضات سرية حتى تتحقق غايتها المرجوة، وذلك خشية من انتقاض الشعب الغرناطى ونزعاته؛ هذا إلى أن الوزيرين الغرناطيين كتبًا إلى الملكين الكاثوليكيين خطابًا يؤكدان فيه إخلاصهما وولاءهما، واستعدادهما لخدمتهما حتى تتحقق رغباتهما كاملة، وفى ذلك كله ما يلقى ضوءًا واضحًا على الموقف المريب الذى وقفه أبو عبد الله ووزراؤه من مسألة التسليم [3] .
واستمرت المفاوضات بضعة أسابيع، وانتهى الفريقان إلى وضع معاهدة للتسليم وافق عليها الملكان، ووقعت في اليوم الخامس والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1491 م (21 محرم سنة 897 هـ) .
وقد تضمنت هذه الوثيقة الشهيرة، التى قررت مصير آخر القواعد الأندلسية ومصير الأمة الأندلسية، شروطًا عديدة بلغت ستة وخمسين مادة. وقد لخصت
(1) يذكر اسم أبى القاسم عبد الملك في الوثائق القشتالية محرفًا: أبو القاسم عبد المليح أو أبو القاسم المليخ، وهو الأكثر شيوعًا: Bulcacia Bulcasem el Muleh. ومن الغريب أن هذا التحريف غلب فيما بعد على كتابة اسمه بالعربية، فتراه يكتب في بعض الوثائق أبو القاسم المليخ.
(2) هى اليوم قرية Churiana، وهى من ضواحى غرناطة.
(3) تحفظ الصور القشتالية لهذه الخطابات ضمن مجموعة فرناندو دى ثافرا ببلدية غرناطة، وقد نشرها العلامة Garrido Atienza في مجموعة الوثائق الخاصة بتسليم غرناطة المسماة: Las Capitulaciones para la Entrega de Granada (Granada 1910) p. 200-217