وهكذا انتصر فرناندو وإيسابيلا على خصومهما، واستقرا معا على عرش قشتالة بلا منازع. وفى سنة 1479 ارتقى فرناندو عرش أراجون على أثر وفاة أبيه خوان الثانى، وبذلك اتحدت المملكتان الإسبانيتان في ظل عرش واحد، بعد أن فرقت بينهما المنافسات والخطوب أحقابًا، واجتمعت كلمة اسبانيا النصرانية بعد أن طال افتراقها؛ وبدأت اسبانيا في ظل فرناندو وإيسابيلا، أو في ظل الملكين الكاثوليكيين حسبما لُقبا بعد، عصرًا من القوة والعظمة والسؤدد، لم تشهده في تاريخها من قبل، وهو بحق فاتحة عصرها الذهبى.
وكان فرناندو الخامس أو فرناندو الكاثوليكى من أعظم ملوك اسبانيا النصرانية وأوفرهم عزمًا وهمة؛ وكان يتمتع بمقدرة فائقة، سواء في الإدارة أو في ميادين الحرب والسياسة. بيد أن هذا الجانب الحسن من خلاله، كانت تغشاه صفات سيئة، فقد كان فرناندو أميرًا لا وازع له، يجنح في سياسته إلى الغدر، ومجانبة الوفاء، وكان رجل الفرصة السانحة، يلتمس إلى تحقيق أطماعه العظيمة أى الوسائل، مهما كانت تجانب المبادىء الأخلاقية المقررة، أو مقتضيات الفروسة والوفاء. وسوف نرى كيف تتجلى هذه الخلال البغيضة في تصرفاته وأساليبه في معاملة الأمة الأندلسية المغلوبة.
وكانت زوجه الملكة إيسابيلا تتمتع أيضًا بكثير من الذكاء والعزم. وكانت تثير برقتها وتواضعها واحتشامها، حب الشعب القشتالى وإعجابه. بيد أنها كانت تجيش بنزعة دينية عميقة، تذهب أحيانًا مذهب التعصب المضطرم، وكانت تقع تحت تأثير الأحبار المتعصبين، وتنزل عند تحريضهم وتوجيههم؛ وكان مشروع غزو مملكة غرناطة والقضاء على الأمة الأندلسية، يذكى في نفس هذه الملكة الورعة التى تنعت أيضًا"بالكاثوليكية"، أشنع ضروب التعصب، ويحملها على مؤازرة ديوان التحقيق الإسبانى [1] ، وإقرار كل ما جنح إلى ارتكابه باسم الدين، من الأعمال والجرائم المثيرة.
وفى الوقت الذى جلس فيه فرناندو وإيسابيلا على عرش اسبانيا القوية الموحدة، كانت مملكة غرناطة تدخل بعد سلسلة طويلة من الحروب الأهلية في مرحلة النزع الأخيرة. وكان يجلس على عرشها وقتئذ السلطان على أبو الحسن، ولد السلطان
(1) نريد هنا بديوان التحقيق ( Inquisition) Inquisicion المحاكم المعروفة خطأ باسم
"محاكم التفتيش".