وحصونه، وسلم ابن محفوظ في الوقت نفسه للنصارى حصن اللقوة ووادى أنة وشنتل والحصين وشلطيش، على أن يستبقى حكم لبلة وأحوازها [1] . وعاون ابن الأحمر النصارى في الاستيلاء على ثغر قادس. وهكذا بسط القشتاليون سلطانهم على سائر الأراضى الإسلامية الواقعة غربى ولاية الأندلس، وأخذت رقعة الدولة الإسلامية تنكمش بسرعة مروعة [2] .
وكان موقف ابن الأحمر من هذه الحوادث موقفًا شاذًا مؤلمًا، فقد كان يقف إلى جانب أعداء أمته ودينه، وكان يبذل للنصارى ما استطاع من العون َالمادى والأدبى، وكان معظم الزعماء المسلمين من حكام المدن والحصون الباقية، وقد أيقنوا بانهيار سلطان الإسلام في الأندلس، يهرعون إلى احتذاء مثاله. وإلى الانضواء تحت لواء ملك قشتالة، وكانت هذه المناظر المؤلمة تتكرر في تاريخ الأندلس منذ الطوائف، حيث نرى كثيرًا من الأمراء المسلمين يظاهرون النصارى على إخوانهم في الدين، احتفاظًا بالملك والسلطان. ولكن ابن الأحمر كان يقبل هذا الوضع المؤلم إنقاذًا لتراث لم يكتمل الرسوخ بعد، وتنفيذًا لأمنية كبيرة بعيدة المدى. ذلك أنه كان يطمح إلى جمع كلمة الأندلس تحت لوائه. وإدماج ما تبقى من تراثها وأراضيها في مملكة موحدة، تكون مُلكًا له ولعقبه. ولم تكن تحدوه رغبة في توسع يجعله إلى الأبد أسيرًا لحلفائه النصارى، مثلما كان يفعل أسلافه زعماء الطوائف. بل كانت تحدوه قبل كل شىء رغبة في الاستقلال، والتوطد داخل حدود إمارته المتواضعة. وقد لبث يعمل على تحقيق هذه الغاية في ولاية غرناطة والولايات المجاورة، وهو يصانع النصارى ويتجنب الاشتباك معهم، ويشهد التهامهم لأشلاء الوطن الممزق، وقلبه يتفطر حزنًا وأسى.
= تقع شمال شرقى شريش وسط المثلث الإسبانى، وشنتمرية هى ثغر شنتمرية الغرب Sta Maria de Algarve وتقع جنوبى البرتغال على المحيط، ومكانها اليوم مدينة فارو البرتغالية.
(1) الذخيرة السنية ص 85. وتقع هذه الأماكن في ولاية الغرب على مقربة من مدينة أونية (ولبة Huelva الحديثة) شرقى نهر أوديل.
(2) راجع حوادث حصار إشبيلية وسقوطها في البيان المغرب القسم الثالث ص 381 و 382 وابن خلدون ج 4 ص 190، والذخيرة السنية ص 71 - 76، ومن المراجع القشتالية بالأخص: Cronica General (Ed. Pidal) Vol. I, No. 1080 - 1125، وقد أفردنا لسقوط إشبيلية، في كتابنا"عصر المرابطين والموحدين"فصلا كبيرًا، ويراجع في القسم الثانى منه ص 466 - 488.