وفي قول الشاعر يتمثل هذا المغزى التاريخى. الذي لبث أحقابًا يربط بين الأندلس وبين الدول الإسلامية الشقيقة في عدوة المغرب، وقد كان يتمثل واضحًا كلما اشتد الخطر بالأمة الأندلسية، ولاح لها شبح الفناء في جزيرتها المنقطعة قويًا رهيبًا.
وقد قامت مملكة غرناطة، التي شاء القدر أن تكون ملاذ الأمة الأندلسية دهرًا طويلا آخر، في ظروف متواضعة. وذلك أنه لما ضعف أمر الموحدين بالأندلس، وخرج عليهم محمد بن يوسف بن هود الملقب بالمتوكل كما قدمنا، وأخذت قواعد الأندلس تخرج من قبضتهم تباعًا، ينتزع بعضها ابن هود وثوار النواحى، والبعض الآخر ينتزعه النصارى، كان من الزعماء الذين ظهروا أثناء الفتنة محمد بن يوسف النصرى المعروف بابن الأحمر سليل بني نصر، وهم في الأصل سادة حصن أرجونة [1] من أعمال ولاية جيّان. وهو محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر ابن قيس الخزرجى. ويُرجع بنو نصر نسبتهم إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج وأحد أكابر الصحابة، فهم بذلك من أعرق البطون العربية. وقد أشار إلى هذه النسبة بعض مؤرخى الأندلس ومنهم الرازى [2] . وكان لبنى نصر وجاهة وعصبية. وولد محمد بن يوسف في أرجونة سنة 595 هـ (1198 م) ونشأ في مهاد الفضيلة والتقشف جنديًا وافر الجرأة والعزم، يتزعم قومه، ويقودهم إلى مواطن النضال، وكان بالرغم من تقشفه وتواضعه يجيش بأطماع كبيرة، وكانت حوادث الأندلس يومئذ تقدم لأولى العزم والإقدام كثيرًا من فرص الظهور والمغامرة، فلما تفاقمت الفتنة، واضطربت الشئون في الثغور والنواحى، وكثرت غزوات النصارى لقواعد الأندلس، وظهر ابن هود على الموحدين في الثغور الشرقية، لاحت لمحمد ابن يوسف فرصة العمل. وكان هذا الزعيم المتواضع الموهوب معًا، يبدو لكثير من الزعماء وذوى الرأى، معقد الآمال في إنقاذ ما بقى من تراث الأندلس، فالتفت حوله الصحب والأنصار، أولا في أرجونة موطن أسرته وعصبته، وفي الجهات المجاورة لها. وبينما كان ابن هود يعمل لتوطيد سلطانه في شرقى الأندلس وجنوبها، كان محمد بن يوسف يعمل من جانبه في الأنحاء الوسطى، ولم يلبث
(1) ومكانه اليوم بلدة أرجونه Arjona وهي بلدة صغيرة تقع شمال غربي مدينة جيان، وجنوبى بلدة أندوجر.
(2) ابن خلدون ج 4 ص 170، والإحاطة ج 1 ص 158 وج 2 ص 59 و 60، وأزهار الرياض ج 1 ص 167.