فهرس الكتاب

الصفحة 1902 من 3000

ولم يعلموا له سببًا، وأنه لما جن الليل، وفرغ الخليفة من صلاة العشاء، استدعى ولده السيد أبا إسحق والي إشبيلية، وأمره بالرحيل من تلك الليلة إلى غزو مدينة أشبونة وشن الغارة على أنحائها، وأن يسير لها بجيوش الأندلس خاصة، وأن يكون رحيله نهارًا، فأساء السيد أبو إسحق فهم أوامر الخليفة، وظن أنه أمره بالرحيل في جوف الليل إلى إشبيلية. يقول صاحب الروض:"وصرخ الشيطان في محلة المسلمين أن أمير المؤمنين قد عزم على الرحيل. وفي هذه الليلة تحدثت الناس بذلك، وتأهبوا له، فرحل من الناس طائفة بالليل. فلما كان قرب الفجر أقلع السيد أبو إسحق، وأقلع كل من كان يليه، وتابعه الناس بالرحيل، فارتحلوا وأمير المؤمنين مقيم في مكانه لا علم له بذلك" [1] .

على أن ما تقدمه إلينا الرواية النصرانية عن أسباب انسحاب الجيش الموحدي قد يفسر لنا ما وقع بطريقة أوضح، وأكثر اتفاقًا مع منطق الحوادث. ذلك أن الموحدين، بعد أن اشتبكوا مع البرتغاليين في ربض شنترين وسلسلة من المعارك الطاحنة استمرت بضعة أيام، واستولوا خلالها على أرض الربض وحطموا تحصيناته الخارجية، أدركوا أن المدينة من المناعة، وأن المدافعين عنها من الاستعداد والكثرة، بحيث يتعذر اقتحامها، ولابد لأخذها من الاعتماد على حصار طويل صارم. وفي أثناء ذلك وقع حادث كان له فيما يبدو تأثير حاسم في تطور الموقف. ذلك هو مقدم فرناندو الثاني ملك ليون وقواته. ونحن نذكر أنه لما تحرك الجيش الموحدي من إشبيلية، صوب بطليوس، كان فرناندو الثاني يحاصر مدينة قاصرش الواقعة شمال شرقي بطليوس محاولا الاستيلاء عليها، فلما وقف على حركة الجيش الموحدي، رفع الحصار عن قاصرش، وارتد إلى قاعدته القريبة مدينة ردريجو. ولما تعينت وجهة الجيش الموحدي بالسير إلى شنترين وحصارها، سار فرناندو في قواته صوب ميدان المعركة لإنجاد المدينة المحصورة، وذلك تنفيذًا للعهد الذي قطعه على نفسه بقتال الموحدين، وتقول الرواية النصرانية أيضًا إن ألفونسو ملك البرتغال كان متوجسًا في البداية من مقدم فرناندو وجيشه، فلما علم أنه قادم لإنجاده وإنجاد إخوانه النصارى، اطمأنت نفسه وأيقن بالخلاص [2] . ومن ثم فإنه يبدو أن تطور الحوادث على هذا النحو

(1) روض القرطاس ص 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت