فهرس الكتاب

الصفحة 1504 من 3000

يمرغ وجهه في الأرض باكيًا، وهو يدعو للمسلمين بالنصر فحقق الله دعاءه [1] واستمر الحصار على أشده بضعة أشهر أخرى، حتى آخر شهر ذي الحجة من سنة 554 هـ وقد نضبت الأقوات، وأخذ الضيق يرهق المحصورين، فلما رأى الفرنج ما رأوا من ضخامة جيوش عبد المؤمن وأساطيله، وأنه لا أمل لهم في النجاة من مصيرهم المحتوم، خرج منهم عشرة فرسان، وقابلوا عبد المؤمن وسألوه الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم، وأن يتركهم أحرارًا يخرجون من المدينة، ويذهبون إلى ديارهم، فأجابهم عبد المؤمن إلى ما طلبوه، وجهز لهم السفن ليعبروا البحر فيها. وكان تصرفًا مقرونًا بالحكمة، لأن صاحب صقلية الملك وليم، كان قد أنذر بقتل المسلمين في بلاده وانتزاع أموالهم، وسبى حريمهم، إذا أقدم الموحدون على قتل الفرنج في المهدية. ومع ذلك فقد غرق كثير من السفن التي كانت تحمل الفرنج إلى صقلية من جراء العواصف وثورة الموج.

ودخل عبد المؤمن ثغر المهدية في صبيحة يوم عاشوراء من نفس المحرم سنة 555 هـ (21 يناير سنة 1160 م) وقد سماها عبد المؤمن سنة الأخماس. وأقام بالمهدية عشرين يومًا يرتب شئونها، ويصلح أسوارها، ويشحنها بالذخائر والأقوات.

ثم ندب لولايتها أبا عبد الله محمد بن فرج الكومي، وجعل معه صاحبها القديم الحسن بن علي الصنهاجي، وأقطعه بها إقطاعًا حسنًا. وهكذا استطاع عبد المؤمن، أن يقضي على عدوان الفرنج الصقليين على ثغور إفريقية، بعد أن كاد يستقر ويتأثل، وأن يحررها من نير النصرانية، وأن يردها إلى صولة الإسلام، بعد أن خرجت عنها اثني عشر عامًا، مذ سقطت في أيدي الفرنج في سنة 543 هـ (1148 م) [2] .

وفي فاتحة صفر سنة 555 هـ، غادر عبد المؤمن ثغر المهدية، وسار في قواته عائدًا إلى المغرب. بيد أنه قبل أن يغادر أراضي إفريقية، وقعت بينه وبين العرب بعض مناوشات ومعارك.

وكان أولئك العرب ومعظمهم من بطون هلال وسليم من مضر، قد نزحوا إلى إفريقية منذ أوائل القرن الخامس الهجري. وكانت أحياء بني سليم بالحجاز على مقربة من المدينة، وأحياء بني هلال في جبل غزوان عند الطائف، ومنهم جشم

(1) ابن الأثير ج 11 ص 92. وراجع مواقع غزوات المهدية في الخريطة المنشورة في ص 283.

(2) ابن الأثير ج 11 ص 92، والحلل الموشية ص 117 و 118، والبيان المغرب القسم الثالث ص 39، وروض القرطاس ص 139، والاستقصاء ج 1 ص 155 و 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت