فنشأ كاهن ورجل الدين إلى جانب الحاكم منذ أول البشرية، فتجد أنه ليس هناك أية حضارة إلا وهناك إمبراطور وهناك رجل دين، والآن نكتشف في آثار العراق فتجد القصور وتجد أماكن العبادة، وتجد بقايا الملك وتجد رسائل الدين الذي كان موجودًا في تلك الفترة، كل الحضارات لها أديان.
تمكَّن الشيطان من إضلال الناس كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ربه تعالى: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ) [1] ؛ اجتالتهم بأن أقنعتهم بأن الله -سبحانه وتعالى- يرضى عنهم بهذا السبيل المعوج.
ولذلك فأولئك الذين ينطّون ويقفزون لا يفعلون ذلك لإسعاد شيخهم بل في ظنهم أنهم هكذا يرضى الله -سبحانه وتعالى- عنهم، فيقفز ويرقص حتى يسقط ويحملوه على بيته وهو يظن أنه هكذا يرضي الله -سبحانه وتعالى-.
ومرة شاهدت أحدهم يصيح:"آه .. آه .. آه .. آه"، فقلت له:"من أين أتيت بهذا؟"، فقال:"الله -سبحانه وتعالى- يقول: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [2] ".!! فهو مستقر بقناعته أن الله -سبحانه وتعالى- يرضى عنه بهذا.
فرجال السلطة اكتشفوا هذه القضية.
سنقوم الآن بقفزة تاريخيّة عن علاقة الحاكم بالكاهن وفئة الأعوان ونأتي إلى قصة فرعون، ونعجب -سبحان الله- من كثرة تكرار القرآن لهذه القصة في سور كثيرة وأحيانًا في نفس السورة في مواضع متعددة.
ففرعون كان معه هامان وكان معه الملأ وهم الأعوان، فجاءهم موسى -عليه السلام- ومعه هارون ومعه مُؤمنِي بني إسرائيل واستطاع أن يكسب مؤمنًا من الطرف الآخر وهو مؤمن آل فرعون.
ثم جاء موسى -عليه السلام- إلى فرعون بالآيات البينات، ففرعون يعلم أن الذي يصارع على السلطة يأتي بالخيل والسلاح، ولكن موسى -عليه السلام- جاءه بالآيات والبينات؛ فوجد أن القضية مختلفة فاستشار الملأ، هؤلاء الذين فيهم المستشارون والباحثون والفاهمون.
(1) صحيح مسلم (2865) .
(2) سورة هود، الآية: 75.