والأستاذ يس في انسياقه وراء المذاهب الوثنية قد هدم الأساس الأول الذى بنيت عليه عقيدة الثالوث من حيث أراد تبريرها وتدعيمها، ذلك أن عقيدة الثالوث مؤسسة على الاعتقاد بمشابهة المخلوقات للخالق، وبأن البشر والحيوانات والنباتات الراقية مكونة من ثلاثة أجزاء كالله الثالوث تمامًا، فالمماثلة والمشابهة بين الخالق والمخلوق هى الدعامة الأولى لعقيدة الثالوث.
ونحن إذا أخذنا الإنسان، صورة الله ومثاله كما تقرر نظرية الثالوث، لوجدناه يتصف بعدة صفات متباينة مختلفة، وبعدة خصائص متغايرة متعارضة، تظهر أى منها وقت الحاجة إليها، وتبعًا للظروف التى اقتضتها.
فمن صفات الإنسان مثلًا: العطف والحنان والقسوة والانتقام، والإنسان نفسه قد تدعوه الظروف تارة إلى القسوة، وتارة أخرى إلى الرحمة.
فالجندى الذى يكون رحيمًا عطوفًا مع ابنه الصغير هو نفسه الجندى الصلب القاسى مع أعداء وطنه ومستعمريه، والمدرس الذى يقسو على الطلاب الخاملين هو نفس المدرس الذى ينبض عطفًا على الطلاب النابغين، والعاشق الذى يذوب رقة في معاملة محبوبته قد يكون قاسيًا في معاملة موظفيه وعماله، وهكذا بالنسبة لبقية الصفات والخصائص التى يتحلى بها الإنسان، والتى تظهر أى منها تبعًا للظروف والملابسات التى فرضتها وحتمتها. ولم يقل أحد إن من يقسو لظرف لا يرحم لآخر، أو من يحب شخصًا لا يكره آخر.
بل إنه حتى الوحوش المفترسة قد أودعت فيها مع القوة والقسوة العطف والحنان، بحيث يمكن أن تتحول في لحظة من التوحش إلى الوداعة ومن العنف إلى اللطف، فالأسد الذى ينقض في شراسة على فريسته لينهش لحمها ويفتت عظامها، هو الأسد نفسه الذى ينساب ليونة في تدليل زوجته، وهو الأسد نفسه الذى يعتصره الحزن والألم عند موت وليده، والأسد كما هو في كافة حالاته، وبجميع صفاته وخصائصه المختلفة المتباينة.