كم ظهرت في وسائل الإعلام من ندوة تجمع بين أكبر علمائها مع أشهر الفنانين والمتطرفين حقا المعروفين بالمجون؟ والموضوع نصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، فكيف سيقبل أهل المبادئ أو يسمع أولوا الثوابت من علماء يجلسون إلى جنب المتبرجات وينصتون لأوتار الموسيقى ومزامير الشيطان، ويتكلمون عن اتباع السنة ومظاهرهم الشكلية أبعد ما تكون منها؟ وما قالوا يوما للحكام المتجبرين ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ] القصص:80[وهو قول أهل العلم.
ألا ترى كيف جلسوا على طاولة واحدة في ندوة (التجديد والترشيد) المنعقدة في نواكشوط مؤخرا .. إلى جنب المتصوفة والعلمانيين والقوميين والعسكريين وغيرهم بدعوى بحث بعض أهم مسائل الدين، فالمنطق المتبع هو منطق المجاملة والمداهنة، لا منطق الصدع بالحق وقمع الباطل.
وبعد القوم عن الدعوة إلى تحكيم شرع الله جعلهم يرضون عن واقع الحكم، بل ويقولون إنه موافق لشرع الله، فكم أطل علينا علماء كبار وقالوا إن قانوننا المتبع مستمد من القانون الفرنسي الذي هو بدوره مستمد من الشرع الإسلامي، سالكين في ذلك مسلك المميعين الذين غرسوا في عقول الكثيرين عدم الحاجة إلى تطبيق شرع الله.
وما من لبيب إلا ويعلم أن القانون الفرنسي أبعد ما يكون من شرع الله، وما خطر الرجوع إلى شرع الله بنفوس واضعيه يوم اجتمعوا عليه ولكن المميعين يأبون إلا الدفاع عن واقع كان حريا بهم أن يهاجموه بالحق ويسعوا لتغييره، ثم إنه قبل البحث عما يوافق الشرع أو ما هو مستمد من الشرع فلم لا نأخذ الشرع وهو السابق إلى كل خير وفضيلة؟ أفحكم الجاهلة يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ] المائدة:50 [.
غياب عن الواقع:
كيف يمكن لهؤلاء إقناع من يسمونهم بالغلاة وهم أبعد ما يكونون من وسائل الإقناع والتي أولها تحديد المفاهيم وتعيين المواضيع ورسم خارطة البحث التي لا تنبغي الخروج عن آفاقها، ثم أنى لهم أن يقنعوا أحدا وهم لا يلامسون عاطفته ولا يخاطبون شعوره؟ بل يتكلمون عن واد وخصمهم في واد، وكيف يقنعونه وقد ابتعدوا عن رقة الألفاظ، وحسن العبارة وجمال الأسلوب وغير ذلك مما ترق له القلوب وترتاح له النفوس، فضلا عن مسحة عطف وشفقة وتؤدة ووقار تجعل حديثهم أحظى للقبول، وأجدر لنيل المقصود.