فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 124

فاستجيبوا له وانقادوا لأمره لعلكم ترشدون. وقال أبو بكر الرازي: قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} معناه فُرض، كقوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} فإن قيل: هو كقوله {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} إنما هي ندب ليست بفرض، قيل له: قد كانت الوصية واجبة بهذه الآية وذلك قبل فرض المواريث، ثم نسخت بعد الميراث، ومع ذلك فإن حكم اللفظ الإيجاب إلا أن تقوم دلالة للندب، ولم تقم الدلالة في الجهاد لأنه ندب فأكّد تعالى فرض الجهاد على سائر المكلفين بهذه الآية وبغيرها على حسب الإمكان فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} فأوجب عليه فرض الجهاد من وجهين: أحدهما بنفسه ومباشرة القتال وحضوره، والآخر بالتحريض والحث والبيان لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له مال فلم يذكر فيما فرضه عليه إنفاق المال، وقال لغيره {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} فألزم من كان من أهل القتال وله مال: فرض الجهاد بنفسه وماله، ثم قال في آية أخرى {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ [31] لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} فلم يخلُ من أسقط عنه فرض الجهاد بنفسه وماله - للعجز والعدم - من إيجاب فرضه بالنصح لله ورسوله، فليس أحد من المكلفين إلا وعليه الجهاد على مراتبه التي وصفنا. وقال تعالى {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا فضله وكرمه وإحسانه فإنه قبِل العوض عما يملكه بما تفضّل به على عبيده المطيعين له ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم، وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة: وفّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية، ولهذا يقال لمن حمل في سبيل الله: بايع الله، أي: قبِل هذا العقد ووفى به. وقال محمد بن كعب القرضي وغيره: قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت