وكلام الشيخ هذا صريح في أن قتالهم لكفرهم وشركهم لا لحرابتهم لأنه لم [8] يشترط في قتالهم تقدّم قتال منهم، ثم قال:"ولم يبح لهم ترك قتالهم وإن سالموهم وهادنوهم هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم"وهذا مما يرد ما جاء في هذه الرسالة ويبيّن أنها مزوّرة على الشيخ رحمه الله ..
وأما ما حكاه هذا المفتري من"القولين"وما زعمه من أن قول الجمهور - كمالك وأحمد وأبي حنيقة وغيرهم - أن قتال الكفار هو سبب المقاتلة: لا مجرد الكفر! فهذا مما يُقطع بكذبه ولا تصح نسبته إلى أحد من الأئمة - رحمهم الله تعالى - لمخالفته لما نص عليه أصحابهم فيما ألّفوه ودوّنوه في كتبهم المذهبية كما سنذكره إن شاء الله [1] تعالى ..
وإنما يُذكر هذا القول عن بعض أهل الكوفة ممن يقول بأن قتال الكفار سببه الحرابة لا الكفر لأن الدنيا ليست دار جزاء على الكفر، وإنما يُقاتَل من يُقاتَل لدفع أذاه، وهذا قولٌ ظاهر الفساد مخالف لنصوص الكتاب والسنّة ولما أجمعت عليه الأمة في الصدر الأوّل، فليس قتالنا للكفار جزاء له على ماضي كفرهم، لأن جزائهم عليه نار جهنّم التي أُعدّت لهم، وإنما نقاتلهم لينتهوا عن الكفر الذي هم عليه ولتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصرام المسلول"الكافر لم يُقاتَل ويُقتل لأجل ماضي كفره فقط، وإنما يُقاتل للكفر الذي هو عليه، فإذا تاب: زال الكفر، فزال المُبيح للدم، لأن الدم لا يُباح بالكفر إلا حال وجوده: إذ [2] المقصود بقتله أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فإذا انقاد لكلمة الله ودان بدين الله حصل مقصود القتال ومطلوب الجهاد" (انتهى) . فانظر إلى ما ذكره الشيخ من أن الكافر إنما يُقاتَل ويُقتَل للكفر الذي هو عليه فإذا تاب زال الكفر فزال المبيح للدم، فدل هذا على أن الكفر هو سبب القتال والقتل ومطلوب الجهاد، وهذا الذي ذكره يخالف ما جاء في هذه الرسالة ويدل على أنها مزوّرة عليه، ويكفي في فساد هذا [9] القول وردّه: أنه خلاف المعروف من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
(1) - في المطبوعة: إنشاء الله، وهو خطأ.
(2) - في الطبوع: إذا