ثم بعد صلح الحديبية ومهادنة قريش: أرسل رسله إلى جميع الطوائف، وكتب يدعوهم إلى الإسلام والإيمان به وبما جاء به، فدعى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، كما دعى من لا كتاب له من العرب وسائر الأمم. ولما أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - سورة براءة، وفيها الأمر بنبذ العهود وقتال المشركين كافة: نسخ ما كان مأمورًا به من العفو والصفح عن المشركين، وأمره بقتالهم، وإنما أمر الله بالقتال بعد أن أقام الحجة وقطع المعذرة، كما قال تعالى {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] . قال القاضي أبو بكر بن العربي"ان الله سبحانه لما بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالحجة: دعى قومه إلى الله دعاءً دائمًا عشرة أعوام لإقامة حجة الله سبحانه، ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في قوله {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، واستمر الناس في الطغيان، وما استدلّوا بواضح البرهان، وحين أعذر الله بذلك إلى الخلق، وأبوا عن الصدق: أمر رسوله بالقتال ليستخرج الإقرار بالحق منهم بالسيف". وقال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح"من المعلوم أن القتال إنما شُرع للضرورة، ولو أن الناس آمنوا بالبرهان والآيات لما أُحتيج إلى القتال، ولذا قال حسان بن ثابت:"
دعى المصطفى دهرًا بمكة لم يُجب ... وقد لان منه جانبٌ وخطابُ
فلما دعى والسيف صلت يمينه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا
يروى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا (يعني السيف) من عدَلَ عن هذا (يعني المصحف) "، ولذا قيل:
فما هو إلا الوحي أو حدّ مرهفٍ ... تُزيل ظباه أخدعيّ كل مائلِ
فهذا دواء الداء من كل عاقلٍ ... وهذا دواء الداء من كل جاهلِ