بسم الله الرحمن الرحيم
الجهاد في اللغة مشتق من الجهد بفتح الجيم وضمها وهو المشقة (القاموس المحيط(1/ 286) .
قال الحافظ ابن حجر: (الجهاد بكسر الجيم أصله لغة المشقة يقال جهدت جهادًا بلغت المشقة .. وشرعًا بذل الجهد في قتال الكفار) فتح الباري (5/ 6) .
وقال النووي (الجهاد والمجاهدة والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع) تحرير التنبيه ص:338.
ويقول ابن رشد القرطبي (فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيل الله إلا أن الجهاد إذا أطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) المقدمات الممهدات لابن رشد (1/ 342) .
قلت: وفي مسند أحمد وعبد الرزاق من حديث عمرو بن عبسة أن رجل قال لرسول الله صلي الله عليه وسلم (وما الجهاد؟ قال أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم , قال فأي الجهاد أفضل؟ قال من عقر جواده وأهريق دمه) قال الهيثمي في المجمع ورجاله رجال الصحيح. قلت وأصله في الصحيحين من حديث ابن عباس.
1 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ ضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ:"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ, وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ, مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ [1] .
قال الصنعاني في سبل السلام: والمراد من الحديث هنا أن من لم يغزو بالفعل ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على خصلة من خصال النفاق، فقوله:"ولم يحدث نفسه"لا يدل على العزم الذي معناه عقد النية على الفعل، بل معناه هنا لم يخطر بباله أن يغزو، ولا حدّث به نفسه ولو ساعة من عمره ولو حدّثها به أو خطر الخروج للغزو بباله حينًا من الأحيان، خرج من الاتصاف بخصلة من خصال النفاق.
وهو نظير قوله صلى الله تعالى عليه وعلى وآله وسلم:"ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه"أي لم يخطر بباله شيء من الأمور؛ وحديث النفس غير العزم وعقد النية.
وذهب جماعة من علماء الأصول على أن الحديث دليل على وجوب العزم على الجهاد عند إمكان فعله ا. هـ.
والحق ما ذهب إليه علماء الأصول من أن المراد بالتحديث العزم على الجهاد والعزيمة الصادقة والإرادة الجازمة؛ وليس المراد منه خاطرة تمر في النفس ثم تذوب في سراديب الحياة وتدفن في أودية الدنيا وشعابها؛ ومما يوضح ذلك ويبينه ويكون علامة عليه؛ الإعداد والاستعداد للجهاد في سبيل الله وبذل الوسع واستفراغ الجهد والطاقة في ذلك فقد قال الله تعالى {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَه عُدَّةً .. } .
قال شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تيمية - رحمه الله تعالى:
فَنَقُولُ أَوَّلًا الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ هِيَ الَّتِي يَجِبُ وُقُوعُ الْفِعْلِ مَعَهَا إذَا كَانَتْ الْقُدْرَةُ حَاصِلَةً ....
وَهَذِهِ"الْمَسْأَلَةُ"إنَّمَا كَثُرَ فِيهَا النِّزَاعُ ; لِأَنَّهُمْ قَدَّرُوا إرَادَةً جَازِمَةً لِلْفِعْلِ لَا يَقْتَرِنُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْفِعْلِ وَهَذَا لَا يَكُونُ. وَالْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ إذَا فَعَلَ مَعَهَا الْإِنْسَانُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَانَ فِي الشَّرْعِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ التَّامِّ: لَهُ ثَوَابُ الْفَاعِلِ التَّامِّ وَعِقَابُ الْفَاعِلِ التَّامِّ الَّذِي فَعَلَ جَمِيعَ الْفِعْلِ الْمُرَادِ حَتَّى يُثَابَ وَيُعَاقَبَ عَلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ قُدْرَتِهِ ...
(1) - صحيح. رواه مسلم (1910) .